وثالث عشرها: أن يُؤجِر المشتري لبائع الدار عبدَه أو ثوبَه شهرًا بسهمٍ من الدار، فيصير شريكه، ثم بعد يومين أو ثلاثة يشتري منه بقيتها؛ فلا يكون لجاره عليه سبيل.
ورابع عشرها: أن يشتريها بثمن مؤجَّلٍ أضعاف ما تساوي، فإن الجار لا يأخذها بذلك الثمن، فإذا رغب عنها صالحه من ذلك الثمن على ما يساويه حالًا من غير جنسه.
فإن قيل: فأنتم قد بالغتم في الإنكار على من احتال ببعض هذه الوجوه على إسقاط الشفعة، وذكرتم تلك الآثار، فنَكِيْلُ لكم بالكيل الذي كِلْتم به لنا.
قلنا: لا سواء نحن وأنتم في ذلك؛ فإنا ذكرنا هذه الوجوه تحيُّلًا على إبطال ما أبطله رسول الله ﷺ بقوله: «فإذا وقعتِ الحدودُ وصُرِّفتِ الطُّرقُ فلا شفعةَ»١، فلما أبطل الشفعة تحيّلْنا على تنفيذ حكمه وأمره بكل طريق؛ فكنّا في هذه الحيل منفِّذين لأمره. وأما أنتم فأبطلتم بها ما أثبته بحكمه وقضائه بالشفعة فيما لم يقسم، وأنه لا يحلُّ له أن يبيع حتى يُؤذِن شريكَه، فإذا حرم عليه البيع قبل استئذانه فما الظن بالتحيل على إسقاط شفعته؟ فتوصَّلتم أنتم بهذه الحيل إلى إسقاط ما أثبته، وتوصَّلنا نحن بها إلى إسقاط ما أسقطه وأبطله، فأيُّ الفريقين أحقُّ بالصواب، وأتبعُ لمقصود الرسول ﷺ؟ والله المستعان.
المثال الثالث والخمسون: يصح تعليق الوكالة بالشرط، كما يصح تعليق
(١) رواه البخاري (٢٢١٣، ٢٢١٤) من حديث جابر ﵁.
الولاية بالشرط، كما صحت به السنة، بل تعليق الوكالة أولى بالجواز؛ فإن الولي وكيل وكالةً عامة، فإنه إنما يتصرف نيابةً عن المُولِّي، فوكالته أعم من وكالة الوكيل في الشيء المعين، فإذا صح تعليقها فتعليق١ الوكالة الخاصة أولى بالصحة. وقال الشافعي: لا يصح؛ فإذا دعت الحاجة إلى ذلك فالحيلة في جوازه أن يوكّله مطلقًا ثم يعلِّق التصرف على شرط فيصح. ولا يظهر فرقٌ فقهي بين امتناع هذا وجواز هذا، والمقصود من التوكيل التصرف، والتوكيل وسيلة إليه؛ فإذا صح تعليق الغاية فتعليق الوسيلة أولى بالصحة.
المثال الرابع والخمسون: إذا رُفِع٢ إلى الإمام وادُّعِيَ عليه أنه زنى، فخاف إن أنكر أن تقوم عليه البينة فيُحدّ؛ فالحيلة٣ في إبطال شهادتهم أن يقرَّ إذا سئل مرة واحدة، ولا يزيد عليها؛ فلا تُسمع البينة مع الإقرار. وليس للحاكم ولا للإمام أن يقرِّره تمامَ النصاب، بل إذا سكت لم يَعرِض له.
فإن كان الإمام ممن يرى وجوب الحدّ بالمرة الواحدة؛ فالحيلة أن يرجع عن إقراره فيسقط عنه الحدُّ؛ فإذا خاف٤ من إقامة البينة عليه أقرَّ أيضًا ثم رجع، وهكذا أبدًا. وهذه الحيلة جائزة؛ فإنه يجوز له دفع الحدِّ عن نفسه، وأن يُخلدِ إلى التوبة، كما قال النبي ﷺ للصحابة لما فرَّ ماعز من الحد: «هلَّا تركتموه يتوبُ فيتوبُ الله عليه»٥، فإذا فرَّ من الحد إلى التوبة فقد أحسن.