ذلك، فقال لها قولي: لا أقبل، فقالت ذلك، فقال: قومي مع زوجك فقد برَّ كل واحدٍ منكما ولم يحنَثْ في شيء، ذكرها محمد بن الحسن في كتاب «الحيل»١ له.
وإنما تتمُّ هذه الحيلة على الوجه الذي ذكره؛ فلو قالت له: «أسألك الخلعَ على ألف درهم حالَّةً أو إلى شهرٍ» فقال: «قد خلعتك على ذلك» وقع الخلع؛ بخلاف ما إذا قالت له٢: «اخلعني» قال: «خلعتك على ألف» فإن هذا لا يكون خلعًا حتى تقبل وترضى، وهي لم ترضَ بالألف؛ فلا يقع الخلع.
فإن قيل: فكيف يبرأ إذا لم يقع الخلع؟
قيل: هو إنما حلف على فعله لا على قبولها؛ فإذا قال: «قد خلعتك على ألفٍ» فقد وُجِد الخلع من جهته؛ فانحلَّت يمينه، ولم يقف حِلُّ اليمين على قبولها، كما إذا حلف لا يبيع، فباع، ولم يقبل المشتري، ولا نيةَ له؛ فإنه يحنث.
المثال السابع والخمسون: ما ذكره محمد في كتابه٣ أيضًا عنه أنه أتاه أخوان قد تزوَّجا بأختين؛ فزُفَّتْ كل امرأة منهما إلى زوج أختها؛ فدخل بها ولم يعلم، ثم علم الحال لما أصبحا؛ فذكرا له ذلك، وسألاه المخرج، فقال لهما: كلٌّ منكما راضٍ بالتي دخل بها؟ فقال: نعم، فقال: ليطلِّق كلٌّ منكما امرأته التي عقد عليها تطليقةً؛ ففعلا، فقال: ليعقِدْ كلٌّ منكما على المرأة التي
(١) ضمن كتاب «الأصل» (٩/ ٤٤٤).
(٢) «له» ليست في ز.
(٣) كتاب «الأصل» (٩/ ٤٤٤).
دخل بها، ففعلا، فقال: ليمضِ كلٌّ منكما١ إلى أهله.
وهذه الحيلة في غاية اللطف؛ فإن المرأة التي دخل بها كلٌّ منهما قد وطئها بشبهة؛ فله أن ينكحها في عدتها؛ فإنه لا يصان ماؤه عن مائه، وأمره أن يطلِّق واحدة فإنه لم يدخل بالتي طلَّقها فالواحدة تُبِينها، ولا عدةَ عليها منه، فللآخر أن يتزوَّجها.
المثال الثامن والخمسون: إذا تزوَّجت المرأة فخافت٢ أن يسافر عنها الزوج ويَدَعها، أو يسافر بها ولا تريد الخروج من دارها، أو أن يتزوَّج عليها أو يتسرَّى، أو يشرب [١٢٧/أ] المسكر، أو يضربها من غير جُرمٍ، أو تبيَّن فقيرًا وقد ظنته غنيًّا، أو مَعيبًا وقد ظنته سليمًا، أو أميًّا وقد ظنته قارئًا، أو جاهلًا وقد ظنته عالمًا، ونحو ذلك، فلا يُمكنها التخلُّص؛ فالحيلة لها في ذلك كله أن تشترط عليه أنه متى وُجِد شيء من ذلك فأمرُها بيدها، إن شاءت أقامت معه٣ وإن شاءت فارقتْه، وتُشهِد عليه بذلك. فإن خافتْ أن لا تشترط ذلك بعد لزوم العقد فلا يمكنها إلزامه بالشرط فلا تأذن لوليها أن يزوِّجها منه إلا على هذا الشرط، فيقول: زوَّجتكما على أن أمرها بيدها إن كان الأمر كيت وكيت؛ فمتى كان الأمر كذلك ملكتْ تطليقَ نفسها. ولا بأس بهذه الحيلة، فإن المرأة تتخلص بها من نكاح من لم ترضَ بنكاحه٤، وتستغني بها عن رفع أمرها إلى الحاكم ليفسخ بالغيبة والإعسار وغيرهما. والله أعلم.