إعلام الموقعين

كان مسيئًا فتجاوزْ عن سيئاته١؛ فهذا طلبٌ للتجاوز عنه بشرطه، فكيف يُمنع تعليق التوبة بالشرط؟ وقال شيخنا: كان يُشكل عليَّ أحيانًا حالُ من أصلي عليه من الجنائز، هل هو مؤمن أو منافق؟ فرأيت رسول الله ﷺ في المنام فسألته عن مسائل عديدة منها هذه المسألة، فقال: يا أحمد الشرطَ الشرطَ، أو قال: علِّق الدعاء بالشرط.

وكذلك أرشد أمته ﷺ إلى تعليق الدعاء بالحياة والموت بالشرط، فقال: «لا يتمنَّى أحدكم الموتَ لِضرٍّ نزل به، ولكن ليقلْ: اللهم أَحيِني إذا كانت الحياة خيرًا لي، وتوفَّني إذا كانت الوفاة خيرًا لي»٢. وكذلك قوله في الحديث الآخر: «وإذا أردتَ بعبادك فتنةً فتوفَّني إليك غيرَ مفتونٍ»٣.

وقال: «المسلمون عند شروطهم، إلا شرطًا أحلَّ حرامًا أو حرَّم حلالًا»٤.

وتعليق العقود والفسوخ والتبرعات والالتزامات وغيرها بالشروط أمر قد تدعو إليه الضرورة أو الحاجة أو المصلحة؛ فلا يستغني عنه المكلَّف. وقد صح تعليق النذر بالشرط بالإجماع ونص الكتاب٥، وتعليق الضمان

  1. (١) رواه مالك (١/ ٢٢٧) من دعاء أبي هريرة في صلاة الجنازة، وإسناده صحيح، وصححه الألباني في «أحكام الجنائز» (ص ١٥٩). وأخرجه ابن أبي شيبة (٣٠٤٧١) من دعاء أنس بعد الدفن، وإسناده صحيح.
  2. (٢) رواه البخاري (٥٦٧١، ٦٣٥١، ٧٢٣٣) ومسلم (٢٦٨٠) من حديث أنس ﵁.
  3. (٣) رواه الترمذي (٣٢٣٥) وابن خزيمة في «التوحيد» (٥٥) من حديث معاذ بن جبل، قال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح، ونقل تصحيحه عن البخاري.
  4. (٤) تقدم.
  5. (٥) في قوله تعالى: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ عَاهَدَ اللَّهَ لَئِنْ آتَانَا مِنْ فَضْلِهِ لَنَصَّدَّقَنَّ وَلَنَكُونَنَّ مِنَ الصَّالِحِينَ ...﴾ [التوبة: ٧٥ - ٧٧].
378

بالشرط بنص القرآن١، وتعليق النكاح بالشرط٢ في تزويج موسى بابنة صاحب مدين وهو من أصح نكاحٍ على وجه الأرض، ولم يأتِ في شريعتنا ما ينسخه، بل أتت مقرِّرةً له، كقوله ﷺ: «إنّ أحقَّ الشروط أن تُوفوا به ما استحللتم به الفروج»٣، فهذا صريح في أن حل الفرج بالنكاح قد يعلَّق على شرط، ونصَّ الإمام أحمد على جواز تعليق النكاح بالشرط، وهذا هو الصحيح، كما يعلق الطلاق والجعالة والنذر وغيرها من العقود.

وعلَّق أمير المؤمنين عمر ﵁ عقد المزارعة بالشرط، فكان يدفع أرضه إلى من يعمل عليها على أنه إن جاء عمر بالبذر فله كذا وإن جاء العامل بالبذر٤ فله كذا، ذكره البخاري٥، ولم يخالفه صاحب.

ونصَّ الإمام أحمد على جواز تعليق البيع بالشرط في قوله: إن بعت هذه الجارية فأنا أحقُّ بها بالثمن، واحتج بأنه قول ابن مسعود٦. ورهنَ

  1. (١) في قوله تعالى: ﴿وَلِمَنْ جَاءَ بِهِ حِمْلُ بَعِيرٍ وَأَنَا بِهِ زَعِيمٌ﴾ [يوسف: ٧٢].
  2. (٢) «بالإجماع ... بالشرط» ساقطة من ك.
  3. (٣) تقدم تخريجه.
  4. (٤) ك: «بالنذر»، تصحيف.
  5. (٥) في «صحيحه» (٥/ ١٠ - مع الفتح) معلقًا، وأخرجه ابن أبي شيبة (٣٨١٧١) والبيهقي (٦/ ١٣٥)، قال الحافظ في «التغليق» (٣/ ٣٠٣ - ٣٠٤): «هذان خبران مرسلان يتقوى أحدهما بالآخر».
  6. (٦) رواه مالك (٢/ ٦١٦) وعبد الرزاق (١٤٢٩١) وأبو يوسف (٨٤٤) كلهم من طريق عبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود، عن عبد الله بن مسعود، وفيه انقطاع بين عبيد الله وابن مسعود. انظر: «جامع التحصيل» (ص ٢٣٢).
379

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي