بالشرط بنص القرآن١، وتعليق النكاح بالشرط٢ في تزويج موسى بابنة صاحب مدين وهو من أصح نكاحٍ على وجه الأرض، ولم يأتِ في شريعتنا ما ينسخه، بل أتت مقرِّرةً له، كقوله ﷺ: «إنّ أحقَّ الشروط أن تُوفوا به ما استحللتم به الفروج»٣، فهذا صريح في أن حل الفرج بالنكاح قد يعلَّق على شرط، ونصَّ الإمام أحمد على جواز تعليق النكاح بالشرط، وهذا هو الصحيح، كما يعلق الطلاق والجعالة والنذر وغيرها من العقود.
وعلَّق أمير المؤمنين عمر ﵁ عقد المزارعة بالشرط، فكان يدفع أرضه إلى من يعمل عليها على أنه إن جاء عمر بالبذر فله كذا وإن جاء العامل بالبذر٤ فله كذا، ذكره البخاري٥، ولم يخالفه صاحب.
ونصَّ الإمام أحمد على جواز تعليق البيع بالشرط في قوله: إن بعت هذه الجارية فأنا أحقُّ بها بالثمن، واحتج بأنه قول ابن مسعود٦. ورهنَ
(٥) في «صحيحه» (٥/ ١٠ - مع الفتح) معلقًا، وأخرجه ابن أبي شيبة (٣٨١٧١) والبيهقي (٦/ ١٣٥)، قال الحافظ في «التغليق» (٣/ ٣٠٣ - ٣٠٤): «هذان خبران مرسلان يتقوى أحدهما بالآخر».
(٦) رواه مالك (٢/ ٦١٦) وعبد الرزاق (١٤٢٩١) وأبو يوسف (٨٤٤) كلهم من طريق عبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود، عن عبد الله بن مسعود، وفيه انقطاع بين عبيد الله وابن مسعود. انظر: «جامع التحصيل» (ص ٢٣٢).
الإمام أحمد نعله وقال للمرتهن: إن جئتك بالحق إلى كذا وإلا فهو لك. وهذا بيعٌ بشرط، فقد فعله وأفتى به.
وكذلك تعليق الإبراء بالشرط، نصَّ على جوازه فعلًا منه، فقال لمن اغتابه ثم استحلَّه: «أنت في حلٍّ إن لم تَعُد»، فقال له الميموني: قد اغتابك وتحلِّله؟ فقال: ألم ترني قد اشترطتُ عليه أن لا يعود؟ والمتأخرون من أصحابه يقولون: لا يصح تعليق الإبراء بالشرط، وليس ذلك موافقًا لنصوصه ولا لأصوله.
وقد علَّق النبي ﷺ ولاية الإمارة بالشرط١، وهذا تنبيه على تعليق ولاية الحكم وكل ولاية، وعلى تعليق الوكالة الخاصة والعامة. وقد علَّق أبو بكر تولية عمر ﵁ بالشرط٢، ووافقه عليه سائر الصحابة فلم ينكره منهم رجل واحد.
وقال النبي ﷺ: «من باع نخلًا قد أُبِّرت فثمرتها للبائع، إلا أن يشترطها [١٢٨/ب] المبتاع»٣، فهذا اشتراطٌ خلاف مقتضى العقد المطلق، وقد
(١) فقد أمَّر في غزوة مؤتة زيد بن حارثة، وقال: «إن قُتل زيد فجعفر، وإن قتل جعفر فعبد الله بن رواحة». رواه البخاري (٤٢٦١) عن عبد الله بن عمر.
(٢) حيث أملى على عثمان بن عفان قبل وفاته: «إني استخلفتُ عليكم بعدي عمر بن الخطاب ... فإن عدلَ فذلك ظني به وعلمي فيه، وإن بدَّل فلكلِّ امرئ ما اكتسب من الإثم، والخير أردتُ ولا أعلم الغيب». انظر: «طبقات ابن سعد» (٣/ ٢٠٠).
(٣) رواه البخاري (٢٢٠٤، ٢٢٠٦، ٢٧١٦) ومسلم (١٥٤٣/ ٧٧ - ٧٩) من حديث نافع عن ابن عمر مرفوعًا. ورواه أيضًا البخاري (٢٣٧٩) ومسلم (١٥٤٣/ ٨٠) من حديث سالم عن ابن عمر مرفوعًا مع الجزء الثاني المتعلق بالعبد، الآتي ذكره.