تطُلْ إقامة الرقيق عندهم: هؤلاء يريدون أن يذهبوا بأموال الناس باطلًا، لا تنفعهم البراءة.
وقال عبد الملك وغيره: لا يشترط استعلامه ولا طولُ مقامه عنده، بل تنفعه البراءة كما تنفعه مع الطول والاستعلام.
قالوا: وإذا كان في المبيع عيب يعلمه البائع بعينه فأدخله في جملة عيوب ليست موجودة، وتبرَّأ منها كلها، لم يبرأ منه حتى يُفرده بالبراءة ويعيِّن موضعه وجنسه ومقداره بحيث لا يبقى للمبتاع فيه قول.
قالوا: وكذلك لو أراه العيب وشاهده لم يبرأ منه، إذا كان ظاهره لا يستلزم الإحاطة بباطنه وباطنُه فيه فساد آخر، كما إذا أراه دَبَرَةَ١ البعير وشاهدها وهي مُنْغِلةٌ مفسدة، فلم يذكر له ما فيها من نَغَلٍ وغيره، ونظائر ذلك.
قالوا: وكذلك لو أخبره أن به إباقًا أو سرقةً، وهو إباقٌ بعيدٌ أو سرقة عظيمة والمشتري يظنه يسيرًا، لم يبرأ حتى يبيّن له ذلك.
قال أبو القاسم بن الكاتب: لا يختلف قول مالك في أن بيع السلطان بيع براءة على المفلس أو لقضاء ديون من تركة ميت بيع براءة أيضًا وإن لم يشترطها. قال: وإنما كان كذلك؛ لأنه حكم منه بالبيع، وبيع البراءة مختلف فيه، فإذا حكم السلطان بأحد أقوال العلماء لم تُردَّ قضيته عند من يرى خلاف رأيه فيما٢ حكم به.
(١) الدَّبَرة: قرحة الدابة.
(٢) في النسخ: «فما». والتصويب من «عقد الجواهر».
وردّ ذلك عليه المازري وغيره، وقالوا: السلطان لم يتعرض في البيع إلى خلافٍ ولا وفاق، ولا قصد إلى حكمه يرفع النزاع، وقد حكى بعض الشيوخ الخلاف في بيع البراءة ولو تولّاه السلطان بنفسه. قال: وذلك لأن سحنون قال: وكان قول مالك القديم أن بيع السلطان وبيع الوارث لا قيامَ فيه بعيبٍ ولا بعهدة. قال: وهذا يدل على أن له قولًا آخر خلاف هذا. قال: ويدل عليه أن ابن القاسم [١٣٠/أ] قال: إذا بيع عبد على مفلس فإن للمشتري أن يردَّه بالعيب١، قال: والصواب أن بيع السلطان وبيع الورثة كغيرهما.
قال المازري: أما بيع الورثة لقضاء ديونه وتنفيذ وصاياه فإن فيه الخلاف المشهور. قال: وأما ما باعوه لأنفسهم للانفصال من شركة بعضهم لبعض فملتحق ببيع الرجل مالَ نفسه بالبراءة، وكذلك من باع للإنفاق على مَن٢ في ولايته.
قلت: وقول المازري: «إن بيع السلطان لا تعرُّضَ فيه لحكمٍ» مبني على أصل، وهو أن الحاكم إذا عقد بنفسه عقدًا مختلَفًا فيه هل يكون بمنزلة حكمه به فيسوغ تنفيذه ولا يسوغ رده، أو لا يكون حكمًا منه به٣ فيسوغ لحاكمٍ آخر خلافُه؟ وفي هذا الأصل قولان للفقهاء، وهما في مذهب أحمد وغيره. فهذا تقرير مذهب مالك في هذه المسألة.
وأما مذهب أبي حنيفة: فإنه يصحِّح البيع والشرط، ولا يمكن المشتري
(١) في النسختين: «بالبيع». والتصويب من «عقد الجواهر».