إعلام الموقعين

وقال هشام بن حسان عن محمد بن سيرين قال: قال حذيفة: إنما يفتي الناسَ أحدُ ثلاثة: رجلٌ يعلم ناسخ القرآن ومنسوخه، وأميرٌ لا يجد بدًّا، وأحمق متكلِّف. قال ابن سيرين: فأنا لستُ أحد هذين، وأرجو أن لا أكون أحمق متكلِّفًا١!

وقال أبو عمر بن عبد البرِّ في كتاب "جامع فضل العلم"٢: ثنا خلَف بن القاسم، ثنا يحيى بن الربيع، نا محمد بن حمَّاد المِصِّيصي، ثنا إبراهيم بن واقد، نا المطلب بن زياد قال: حدثني جعفر بن الحسين٣ إمامنا قال: رأيتُ أبا حنيفة في النوم، فقلتُ: ما فعل الله بك يا أبا حنيفة؟ قال: غُفِر لي. [١٩/أ] فقلتُ٤ له: بالعلم؟ فقال: ما أضَرَّ الفتيا على أهلها! فقلتُ: فبم؟ قال: بقول الناس فيَّ ما لم يعلم الله منِّي٥.

قال أبو عمر٦: وقال سَحنون يومًا: إنّا لله، ما أشقى المفتي والحاكم! ثم قال: ها أنا ذا يُتعلَّم منِّي ما تُضرَب به الرقابُ، وتُوطأ به الفروج، وتؤخذ به الحقوق. أما كنتُ عن هذا غنيًّا؟

قال أبو عمر٧: وقال أبو عثمان الحدّاد: القاضي أيسَرُ مأثَمًا وأقربُ

  1. (١) رواه ابن عبد البر في "جامع بيان العلم" (٢٢١٧)، وفي سنده سُنيد، وفيه لينٌ.
  2. (٢) برقم (٢٢١٩).
  3. (٣) في "جامع بيان العلم": "حسن".
  4. (٤) ت: "قلت".
  5. (٥) في النسخ المطبوعة: "أنه منِّي".
  6. (٦) في "جامع بيان العلم" (٢٢٢٠).
  7. (٧) في الكتاب المذكور (٢٢٢١).
74

إلى السلامة من الفقيه ــ يريد المفتي ــ لأنَّ الفقيهَ مِن شأنه إصدارُ ما يرد عليه من ساعته بما حضره من القول، والقاضي شأنُه الأناة والتثبُّتُ. ومَن تأنَّى وتثبَّت تهيَّأ له من الصواب ما لا يتهيأ لصاحب البديئة١. انتهى.

وقال غيره: المفتي أقرب إلى السلامة من القاضي، لأنه لا يُلْزِم بفتواه، وإنما يُخبِر بها من استفتاه، فإن شاء قبِل قوله، وإن شاء تركه. وأما القاضي فإنه يُلْزِم بقوله، فيشترك هو والمفتي في الإخبار عن الحكم، ويتميَّز القاضي بالإلزام به٢ والقضاء، فهو من هذا الوجه خطرُه أشدُّ٣.

ولهذا جاء في القاضي من الوعيد والتخويف ما لم يأت نظيرُه في المفتي، كما رواه أبو داود الطيالسي٤ من حديث عائشة أنها ذُكِر عندها القضاةُ، فقالت: سمعتُ رسول الله ﷺ يقول: "يؤتى بالقاضي العدل يومَ القيامة، فيَلْقى من شدّة الحساب ما يتمنَّى أنه لم يقضِ بين اثنين في تمرةٍ قطُّ".

  1. (١) كذا في جميع النسخ. وفي النسخ المطبوعة و"جامع بيان العلم": "البديهة"، وهما بمعنى.
  2. (٢) "به" ساقط من ع.
  3. (٣) نقله المناوي في "فيض القدير" (٤/ ٥٣٨) مختصرًا.
  4. (٤) برقم (١٦٥٠). ورواه أحمد (٢٤٤٦٤)، والبخاري في "التاريخ الكبير" ٤/ ٢٨٢، والمرُّوذي في "أخبار الشيوخ" (١٣٥)، وابن أبي الدنيا في "الإشراف" (٩١)، ووكيع بن خلف في "أخبار القضاة" (١/ ٢٠ - ٢١)، والعقيلي في "الضعفاء" (٣/ ١٠٧، ٤/ ٣٥٣)، والطبراني في "الأوسط" (٢٦١٩)، وابن حبان (٥١١١)، والبيهقي (١٠/ ٩٦)، ومن طريقه الذهبي في السير (١٨/ ١٧٠)، وقال: غريبٌ جدّا اهـ. ويُتأمّل ما ذكره في ترجمة عمران بن حطان من "ميزان الاعتدال" (٣/ ٢٣٥).
    وسنده ضعيف؛ عمرو بن العلاء اليشكري وصالح بن سرج مجهولا الحال.
75

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي