عمومَ له، ولا يدلُّ على أنه غارم في جميع الأحوال، ولهذا لو أدَّى الأصيل لم يكن غارمًا، ولحديث أبي قتادة في ضمان دَين الميت لتعذُّر مطالبة الأصيل١.
ولا يصح الاحتجاج بأن الضمان مشتقٌّ من «الضم»، فاقتضى لفظه ضمَّ إحدى الذمتين إلى الأخرى لوجهين:
أحدهما: أن الضمّ من المضاعف، والضمان من «الضمن»، فمادتهما مختلفة ومعناهما مختلف وإن تشابها لفظًا ومعنًى في بعض الأمور.
الثاني: أنه لو كان مشتقًّا من «الضم» فالضمُّ قدر مشترك بين ضمٍّ يطالب معه استقلالًا أو بدلًا، والأعمُّ لا يستلزم الأخصَّ.
وإذا عُرِف هذا فأراد الضامن الدخول على هذا، فالحيلة أن يعلِّق الضمان بالشرط فيقول: إن تَوِيَ٢ المال على الأصيل٣ فأنا ضامن له. ولا يمتنع تعليق الضمان بالشرط، وقد صرَّح القرآن بتعليقه بالشرط، وهو محضُ القياس؛ فإنه التزامٌ، فجاز تعليقه بالشرط كالنذر، والمؤمنون عند شروطهم
(١) رواه أحمد (٢٢٥٧٢، ٢٢٥٧٣، ٢٢٦٥٧) والترمذي (١٠٦٩) والنسائي (١٩٦٠) وابن ماجه (٢٤٠٧) عن أبي قتادة، وصححه الترمذي وابن حبان (٣٠٥٨). وروى البخاري (٢٢٨٩) عن سلمة بن الأكوع، وفيه: «قال أبو قتادة: صلِّ عليه يا رسول الله وعليَّ دَينه، فصلَّى عليه».
(٢) أي ضاع وهلك.
(٣) ز: «الأصل».
إلا شرطًا أحلَّ حرامًا أو حرَّم حلالًا١، وهذا ليس واحدًا منهما، ومقاطعُ الحقوق عند الشروط.
فإن خاف من قاصرٍ في الفقه غيرِ راسخ في حقائقه فليقل: «ضمِنتُ لك هذا الدين عند تعذُّر استيفائه ممن هو عليه»، فهذا ضمان مخصوص بحالة مخصوصة فلا يجوز إلزامه٢ به في غيرها، كما لو ضمن الحال مؤجلًا أو ضمنه في مكان دون مكان.
فإن خاف من إفساد هذا أيضًا فليُشهِد عليه أنه لا يستحق المطالبة له به إلا عند تعذُّر مطالبة الأصيل، وأنه متى طالبه أو ادَّعى عليه به مع قدرته على الأصيل كانت دعواه باطلة، والله أعلم.
المثال الثالث والستون: قد تدعو الحاجة إلى أن يكون عقد الإجارة مبهمًا٣ غير معين، مثاله أن يقول له: إن ركبتَ هذه الدابة إلى أرض كذا فلك عشرة، وإن ركبتَها إلى أرض كذا فلك خمسة عشر. أو يقول: إن خِطْتَ هذا القميصَ اليوم فلك درهم، وإن خِطْتَه غدًا فنصف درهم، وإن زرعتَ هذه الأرضَ حنطةً فأجرتُها مائة، أو شعيرًا فأجرتُها خمسون، ونحو ذلك؛ فهذا كله جائز صحيح، لا يدلُّ على بطلانه كتاب٤ ولا سنة ولا إجماع ولا قياس، بل هذه الأدلة تقتضي صحته، وإن كان فيه نزاع متأخر.