إعلام الموقعين

إن قَلَعه١ كله في وقت واحد تعرَّض للتلف والفساد. وإن قيل: «كلما أردتَ بيع شيء منه فاقلَعْه» كان فيه من الحرج والعسر ما هو معلوم، وإن قيل: «اتركْه في الأرض حتى٢ يفسد، ولا تَبِعْه فيها» فهذا لا٣ تأتي به شريعة. وبالجملة فالمُفتون بهذا القول لو بُلُوا بذلك في حقولهم أو ما هو وقفٌ عليهم ونحو ذلك= لم يُمكِنهم إلا بيعُه في الأرض ولا بدَّ، أو إتلافُه وعدم الانتفاع به.

وقول القائل: «إن هذا غَررٌ ومجهول» فهذا ليس حظَّ الفقيه، ولا هو من٤ شأنه، وإنما هذا من شأن أهل الخبرة بذلك، فإن عدُّوه قِمارًا أو غررًا فهم أعلم بذلك. وإنما حظ الفقيه: يحلُّ كذا لأن الله أباحه، ويحرُم كذا لأن الله حرَّمه، وقال الله وقال رسوله، وقال الصحابة. وأما أن هذا يرى هذا خطرًا وقمارًا وغررًا٥ فليس من شأنه، بل أربابه أخبرُ بهذا منه، والمرجع إليهم فيه، كما يُرجَع إليهم في كون هذا الوصف عيبًا٦ أم لا، وكونِ هذا البيع مُربِحًا أم لا، وكونِ هذه السلعة نافقةً في٧ وقت كذا وبلد كذا، ونحو ذلك من الأوصاف الحسية والأمور العرفية، فالفقهاء بالنسبة إليهم فيها مثلُهم

  1. (١) ك: «علقه»، تحريف.
  2. (٢) «حتى» ليست في ك.
  3. (٣) «لا» ساقطة من ك.
  4. (٤) «من» ليست في ك.
  5. (٥) ك: «غررًا وقمارًا».
  6. (٦) في النسخ: «عيب» مرفوعًا.
  7. (٧) «في» ليست في ك.
411

بالنسبة إلى باقي١ الأحكام الشرعية.

فإن بُلِيتَ بمن يقول: «هكذا في الكتاب، وهكذا قالوا»، فالحيلة في الجواز أن يستأجر منه الأرضَ المشغولة بذلك مدة يعلم فراغه منها، ويقرُّ له إقرارًا مشهودًا به أن ما في باطن الأرض له لا حقَّ للمُؤجِر فيه. ولكن عكس هذه الحيلة لو أصابته آفة لم يتمكَّن من وضع الجائحة عنه، بخلاف ما إذا اشتراه بعد بدوِّ صلاحه، فإنه كالثمرة على رؤوس الشجر، إن أصابته آفة وضعتْ عنه الجائحة. وهذا هو الصواب في المسألتين: جواز بيعه، ووضع الجوائح فيه، والله أعلم.

المثال السابع والستون: اختلفت الفقهاء في جواز البيع بما ينقطع به السعر من غير تقدير الثمن وقتَ العقد٢، وصورتها: البيع ممن يعامله من خبَّاز ولحَّام وسمَّان وغيرهم، يأخذ منه كلَّ يوم شيئًا معلومًا ثم يحاسبه عند رأس الشهر أو السنة على الجميع، ويعطيه ثمنه؛ فمنعه الأكثرون، وجعلوا القبضَ به غيرَ ناقلٍ بذلك٣، وهو قبض فاسد يجري مجرى المقبوض بالغصب؛ لأنه مقبوض بعقد فاسد.

هذا، وكلُّهم ــ إلا من شدَّد على نفسه ــ يفعل ذلك، ولا يجد منه بدًّا، وهو يفتي ببطلانه، وأنه باقٍ على ملكِ الدافع٤، ولا يُمكِنه التخلُّص من ذلك إلا بمساومته له عند كل حاجة يأخذها قلَّ ثمنها أو كثُر، وإن كان ممن

  1. (١) في المطبوع: «ما في»، تحريف. ك: «إلى مثلها في».
  2. (٢) ك: «وقت بيع العقد».
  3. (٣) في المطبوع: «للملك» خلاف ما في النسخ.
  4. (٤) في المطبوع: «البائع».
412

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي