الغرماء، والشريعة لا تأتي بمثل هذا؛ فإنها إنما جاءت بحفظ١ حقوق أرباب الحقوق بكل طريق، وسدِّ الطرق المُفضِية إلى إضاعتها، وقال النبي ﷺ: «مَن أخذَ أموالَ الناس يريد أداءها أدَّاها الله عنه، ومن أخذَها يريدُ إتلافَها أتلَفَه الله»٢.
ولا ريبَ أن هذا التبرع إتلافٌ لها، فكيف ينفُذُ تبرعُ مَن٣ دعا رسول الله ﷺ على فاعله؟
وسمعتُ شيخ الإسلام ابن تيمية يحكي عن بعض علماء عصره من أصحاب أحمد أنه كان يُنكِر هذا المذهب ويضعِّفه. قال: إلى أن بُلِيَ بغريمٍ تبرَّع قبل٤ الحجر عليه، فقال: والله مذهب مالك هو الحق في هذه المسألة. وتبويب البخاري وترجمته واستدلاله يدلُّ على اختياره هذا المذهبَ، فإنه قال في باب من ردَّ أمر السفيه والضعيف وإن لم يكن حجَرَ عليه الإمام٥: ويُذكر عن جابر أن النبي ﷺ ردَّ على المتصدِّق قبل النهي ثم نهاه٦.
(١) ك: «بحفض».
(٢) رواه البخاري (٢٣٨٧) من حديث أبي هريرة ﵁.
(٣) «من» ليست في ك، ب.
(٤) «قبل» ليست في ك.
(٥) (٥/ ٧١ - مع الفتح).
(٦) رواه الدارمي (١٧٠٠) وأبو داود (١٦٧٣) وأبو يعلى (٢٠٨٤، ٢٢٢٠) وابن خزيمة (٢٤٤١) وابن حبان (٣٣٧٢) عن جابر، وفيه عنعنة ابن إسحاق، ضعفه بها النووي في «المجموع» (٦/ ٢٣٦) وابن الملقن في «البدر المنير» (٧/ ٤١٥) والألباني في «الإرواء» (٨٩٨).
فتأمَّلْ هذا الاستدلال، قال عبد الحق١: أراد به ــ والله أعلم ــ حديث جابر في بيع المدبَّر.
ثم قال البخاري في هذا الباب نفسه: وقال مالك: إذا كان لرجلٍ على رجلٍ مالٌ، وله عبدٌ، لا شيء له غيره، فأعتقه، لم يجز عتقُه. ثم ذكر٢ حديث: «من أخذَ أموالَ الناس يريد أداءَها أدَّاها الله عنه، ومن أخذَها يريد إتلافَها أتلَفَه الله».
وهذا الذي حكاه عن مالك هو في كتب أصحابه، قال ابن الجلّاب٣: ولا يجوز هبة المفلس ولا عتقُه ولا صدقتُه إلا بإذن غُرمائه، وكذلك المِدْيان الذي لم يُفلسه غرماؤه في عتقه وهبته وصدقته.
وهذا القول هو الذي لا نختار غيره، وعلى هذا فالحيلة لمن تبرَّع غريمه بهبةٍ أو صدقة أو وقف أو عتق، وليس في ماله سعة له لدينه: أن يرفعه إلى حاكمٍ يرى بطلان هذا التبرع، ويسأله الحكمَ ببطلانه. فإن لم يكن في بلده حاكمٌ يحكم بذلك، فالحيلة أن يأخذ عليه إذا خاف منه ذلك الضمينَ أو الرهنَ، فإن بادر الغريم وتبرَّع قبل ذلك فقد ضاقت الحيلة على صاحب الحق، ولم يبقَ له غيرُ أمر واحد، وهو التوصُّل إلى إقراره بأن ما في يده أعيان أموال الغرماء، فيمتنع التبرُّع بعد الإقرار، فإن قدّم تاريخ الإقرار بطل التبرع المتقدّم أيضًا. وليست هذه حيلةً على إبطال حق ولا تحقيقِ باطل، بل
(١) في «الجمع بين الصحيحين» (٤/ ٤٢٦)، ونقله الحافظ في «الفتح» (٥/ ٧٢) مع التعقيب عليه، وبسط الكلام عليه في «النكت على ابن الصلاح» (١/ ٣٥٤ - ٣٦١).
(٢) لم يذكر البخاري الحديث في هذا الباب، بل رواه قبله بأبواب برقم (٢٣٨٧).