المثال الثاني والسبعون: إذا كان له عليه١ دينٌ، ولا بينةَ له به ويخاف أن يجحده، أو له بينةٌ ويخاف أن يمطُلَه، فالحيلة أن يستدين منه بقدر دَينه إن أمكن، ولا يضرُّه أن يعطيه به رهنًا أو كفيلًا، فإذا ثبت له في ذمته نظيرُ دينه قاصَّه [١٣٦/ب] به، وإن لم يرضَ على أصح المذاهب، فإن حَذِر غريمه من ذلك، وأمكنه أن يشتري منه سلعة، ولا يعيّن الثمن، ويُخرِج النقد فيضعه بين يديه، فإذا قبض السلعة وطلب منه الثمن قاصَّه بالدين الذي عليه، وبكل حالٍ فطريق الحيلة أن يجعل له عليه٢ من الدين نظيرَ ما له.
المثال الثالث والسبعون: إذا خاف العَنَت، ولم يجد طَوْلَ حُرَّة، وكَرِه رِقَّ أولاده، فالحيلة في عتقهم أن يشترط على السيد أن ما ولدته زوجته منه من الولد فهم أحرار، فكل ولدٍ تلده بعد ذلك منه فهو حرٌّ. ويصح تعليق العتق بالولادة لو قال لأَمته: كل ولدٍ تلدينه فهو حرٌّ. قال ابن المنذر٣: لا أحفظ فيه خلافًا.
فإن قيل: فهل تجوِّزون نكاح الأمة بدون الشرطين إذا أمنَ رِقَّ ولده بهذا التعليق؟
قيل: هذا محلُّ اجتهاد، ولا تأباه أصول الشريعة، وليس فيه إلا أن الولد يثبت عليه الولاء للسيد، وهو شعبة من الرقّ، ومثل هذا هل ينتهض سببًا
(١) «عليه» ليست في ز.
(٢) «عليه» ليست في ز.
(٣) في كتاب «الإجماع» (ص ١٧٦) و«الإقناع» (٢/ ٥٩٩).
لتحريم نكاح الأمة؟ أو يقال ــ وهو أظهر ــ: إن الله سبحانه منعَ من نكاح الإماء لأنهن في الغالب لا يُحجَبن حَجْبَ الحرائر، وهنّ في مهنة ساداتهن وحوائجهم١، وهن بَرْزَاتٌ٢ لا مخدَّرات؟ وهذه كانت عادة العرب في إمائهم٣ وإلى اليوم، فصان الله سبحانه للأزواج أن تكون زوجاتهم بهذه المثابة، مع ما يتبع ذلك من رِقِّ الولد، وأباحه لهم عند الضرورة إليه كما أباح الميتة والدم ولحمَ الخنزير عند المخمصة، وكل هذا منعٌ منه سبحانه لنكاح٤ غير المُحْصَنة، ولهذا شرطَ سبحانه في نكاحهن أن يكنَّ ﴿مُحْصَنَاتٍ غَيْرَ مُسَافِحَاتٍ وَلَا مُتَّخِذَاتِ أَخْدَانٍ﴾[النساء: ٢٥]، أي: غير زانيةٍ مع من كان، ولا زانية مع خِدْنِها وعشيقها دون غيره، فلم يُبِح لهم نكاحَ الإماء إلا بأربعة شروط: عدم الطَّول، وخوفُ العَنَت، وإذنُ سيدها، وأن تكون عفيفةً غير فاجرة فجورًا عامًّا ولا خاصًّا، والله أعلم.
المثال الرابع والسبعون: إذا لم تُمكِّنه أَمتُه من نفسها حتى يُعتِقها ويتزوَّجها، وهو لا يريد إخراجها عن ملكه، ولا تصبر نفسُه عنها؛ فالحيلة أن يبيعها أو يهبَها لمن يثق به، ويُشهِد عليه من حيث لا تعلم هي، والبيع أجودُ لأنه لا يحتاج إلى قبض، ثم يُعتقها، ثم يتزوجها، فإذا فعل استردَّها من المشتري من حيث لا تعلم الجارية، فانفسخ النكاح، فيطؤها بمِلك اليمين، ولا عدةَ عليها.
(١) ك: «وحوائجهن». والمثبت من ز، ب.
(٢) جمع بَرْزة: المرأة التي تجالس الرجال وتبرز لهم.