فالحيلة أن يأخذ البائع إقرار المشتري بأنه دبَّر هذه الجارية بعد ما اشتراها، وأنه جعلها حرةً بعد موته.
فإن لم تتمَّ له هذه الحيلة على قول من يجوِّز بيع المدبَّر ــ وهو الإمام أحمد، ومن قال بقوله ــ فالحيلة أن [١٣٧/ب] يُشهِد عليه قبل أن يبيعها منه أنه كان تزوَّجها من سيدها تزويجًا صحيحًا، وأنها ولدتْ منه ولدًا، ثم اشتراها بعد ذلك فصارتْ أمَّ ولده، فلا يمكنه بيعُها.
فإن لم تتمَّ له هذه الحيلة على قول من يعتبر في كونها أمَّ ولدٍ أن تحمل وتضع في ملكه، ولا يكفي أن تلد منه في غير ملكه ــ كما هو ظاهر مذهب أحمد والشافعي ــ فقد ضاقت عليه وجوهُ الحيل، ولم يبق له إلا حيلةٌ واحدة، وهي أن يتراضى سيدُ الجارية والمشتري برجلٍ ثقةٍ عدلٍ بينهما، فيبيعها هذا العدل بطريق الوكالة عن سيدها بزيادةٍ على ثمنها الذي اتفقا عليه، ويزيد ما شاء، ويقبض منه الثمن الذي اتفقا عليه، فإن أراد المشتري بيعَها طالبه بباقي الثمن الذي أظهره. ولو لم يُدخِلا بينهما ثالثًا بل اتفقا على ذلك فقال: «أبيعكها بمائة دينارٍ، وآخذُ منك أربعين، فإن بعتَها طالبتُك بباقي الثمن، وإن لم تَبِعْها لم أطالبك» جاز، لكن في توسُّطِ العدلِ الذي يثق به المشتري كاتبِه١ وصاحبِه تطييبٌ لقلبه، وأمانٌ له من مطالبة البائع له بالثمن الكثير.
المثال السابع والسبعون: إذا طلب منه ولده أو عبده أن يزوِّجه، وخاف أن يَلحقه ضرر بالزوجة ويأمره بطلاقها فلا يقبل، فالحيلة أن يقول له: لا
(١) كذا في النسخ. وفي المطبوع: «كأبيه».
أزوِّجك إلا أن تجعل أمرَ الزوجة بيدي، فإن وثِقَ منه بذلك الوعد قال له بعد التزويج: «أمرها بيدك». وإن لم يثق منه به، وخاف أنه إذا قبِلَ العقد لا يفي له بما وعده، فالحيلة أن لا يأذن له حتى يعلِّق ذلك بالنكاح، فيقول: «إن تزوَّجتَها فأمرها بيدك». ويصح هذا التعليق على مذهب أهل المدينة وأهل العراق. فإن أراد أن يكون ذلك مُجمعًا عليه فليكتب في كتاب الصداق: «وأقرَّ الزوجُ المذكور أن أمرَ المرأة المذكورة بيد السيد أو الأب». فإذا وقع ما يحذَره منها تمكَّن حينئذٍ من التطليق عليه، والله أعلم. لكن قد يُخرجه عن الوكالة بعد ذلك فلا يتمُّ مراده، فالحيلة أن يشترط عليه أنه متى أخرجه عن الوكالة فهي طالق١.
المثال الثامن والسبعون: إذا دبَّر عبده أو أمته جاز له بيعه، ويبطُل تدبيره، فإن خاف أن يرفعه العبد إلى حاكم لا يرى بيعَ المدبَّر فيحكم عليه بالمنع من بيعه، فالحيلة أن يقول: «إن متُّ وأنت في ملكي فأنتَ حرٌّ بعد موتي»، فإذا قال ذلك تمَّ له الأمر كما أراد، فإن أراد بيعه ما دام حيًّا فله ذلك، وإن مات وهو في ملكه عتق عليه.
والفرق بين أن يقول: «أنت حرٌّ بعد موتي» وبين أن يقول: «إن متُّ وأنت في ملكي فأنت حرٌّ بعد موتي» أن هذا تعليق للعتق بصفة، وذلك لا يمنع بيع العبد، كما لو قال: «إن دخلتَ الدار فأنت حرٌّ» فله بيعه قبل وجود الصفة، بخلاف [١٣٨/أ] قوله: «أنت حرٌّ بعد موتي» فإنه جزم بحريته في ذلك الوقت. ونظيرُ هذا أنه لو قال له٢: «إن متَّ قبلي فأنت في حلٍّ من الدَّين الذي عليك»