وتعليق المال بالأخطار لا يجوز. والحيلة في جوازه أن يكاتبه على ألفي درهم، ويكتب عليه بذلك كتابًا، ثم يصالحه بعد ذلك على ألف درهم يؤدِّيها إليه في سنتين فإن لم يفعل فلا صلح بينهما، فيكون تعليقًا للفسخ بخطر، وذلك جائز على ما قدّمنا من مسألة البيع؛ فإن كان السيد كاتبَ عبده على ألفي درهم إلى سنتين فأراد العبد أن يصالح سيده على النصف يعجِّلها له؛ فإن ذلك جائز عندنا، ويُبطِله غيرنا. انتهى كلامه١.
المثال السابع والثمانون: قال القاضي: إذا اشترى رجل من رجل دارًا بألف درهم؛ فجاء الشفيع يطلب الشفعة؛ فصالحه المشتري على أن أعطاه نصف الدار بنصف الثمن، جاز؛ لأن الشفيع صالَح على بعض حقِّه، وذلك جائز كما لو صالح من ألفٍ على خمسمائة. فإن صالحه على بيت من الدار بحصَّته من الثمن لم يجُزْ؛ لأنه صالحَ على شيء مجهول؛ لأن ما يأخذه الشفيع يأخذه على وجه المعاوضة، وحصة المبيع من الثمن مجهولة، وجهالة العوض تمنع صحة العقد.
فالحيلة حتى يسلَّم البيت للشفيع والدار للمشتري أن يشتري الشفيع هذا البيت من المشتري بثمن مسمًّى، ثم يسلِّم الشفيع للمشتري ما بقي من الدار، وشراء الشفيع لهذا البيت تسليم للشفعة، ومساومته بالبيت تسليم للشفعة؛ لأنه إذا اشتراه بثمن مسمًّى كان عوض البيت معلومًا، ودخوله في شراء البيت تسليم للشفعة فيما بقي من الدار، وذلك جائز؛ والحيلة أن يأخذ البيت بهذا الثمن المسمى من غير أن يكون مسلِّمًا للشفعة حتى يجب له البيت أن يبدأ المشتري فيقول للشفيع: هذا البيت ابتعتُه لك بكذا وكذا
(١) أي كلام أبي يعلى.
درهمًا، فيقول الشفيع: قد رضيتُ واستوجبتُ؛ لأن المشتري متى١ ابتدأ بقوله: «هذا البيت لك بكذا» لم يكن الشفيع مسلِّمًا للشفعة.
المثال الثامن والثمانون٢: تجوز المغارسة عندنا على شجر الجوز وغيره، بأن يدفع إليه أرضَه ويقول: اغرِسْها من الأشجار كذا وكذا، والغرس بيننا نصفين٣. وهذا كما يجوز أن يدفع إليه ماله يتجر فيه، والربح بينهما نصفين، وكما يدفع إليه أرضه يزرعها، والزرع بينهما، [١٤٠/أ] وكما يدفع إليه شجره يقوم عليه، والثمر بينهما، وكما يدفع إليه بقره أو غنمه أو إبله يقوم عليها، والدَّر والنسل بينهما، وكما يدفع إليه زيتونه يعصره، والزيت بينهما، وكما يدفع إليه دابتَه يعمل عليها، والأجرة بينهما، وكما يدفع إليه فرسه يغزو عليها، وسهمُها بينهما، وكما يدفع إليه قَناةً٤ يستنبط ماءها، والماء بينهما، ونظائر ذلك. فكل ذلك شركة صحيحة قد دلَّ على جوازها النص والقياس واتفاق الصحابة ومصالح الناس، وليس فيها ما يوجب تحريمها من كتاب ولا سنة ولا إجماع ولا قياس ولا مصلحة، ولا معنى صحيح يوجب فسادها.
والذين منعوا ذلك عذرهم أنهم ظنُّوا ذلك كله من باب الإجارة، فالعوض مجهول فيفسد. ثم منهم من أجاز المساقاة والمزارعة للنص الوارد فيها، والمضاربةَ للإجماع، دون ما عدا ذلك، ومنهم من خصّ الجواز
(١) ك، ب: «من».
(٢) هنا بياض في ز.
(٣) كذا في النسخ منصوبًا، وله وجه. وفي المطبوع: «نصفان».