وأبي عبيدة بن الجراح١، واختيار شيخنا٢[١٤١/أ] وغيره. والمشهور من أقوال الأئمة الثلاثة أنه لا يجوز إلا بمحلِّل، على تفاصيلَ لهم في المحلِّل وحكمه، قد ذكرناها في كتابنا الكبير في «الفروسية الشرعية»، وذكرنا فيه وفي كتاب «بيان الاستدلال على بطلان اشتراط محلِّل السباق والنضال»٣ بيان بطلانه من أكثر من خمسين وجهًا، وبيَّنا ضعف الحديث الذي احتج به من اشترطه، وكلام الأئمة في ضعفه، وعدم الدلالة منه على تقدير صحته٤.
والمقصود هنا بيان وجه الحيلة على الاستغناء عنه عند من يَقنع بـ «هكذا قالوا وهكذا في الكتاب»؛ فالحيلة على تخلُّص المتسابقينِ المخرجينِ منه أن يملِّكا العوضين لثالثٍ يثقان به، ويقول الثالث: أيكما سبق فالعوضانِ له، وإن جئتما معًا فالعوضان بينكما؛ فيجوز هذا العقد. وهذه الحيلة ليست حيلة على جوازِ محرَّم، ولا تتضمن إسقاطَ حق، ولا تدخل
(١) رواه أحمد (٣٤٤) وابن أبي شيبة (٣٤٢٣٣، ٣٤٥٢٥) وابن حبان (٤٧٦٦) والطبراني (١/ ١٥٥) من طريق شعبة، عن سماك بن حرب، عن عياض الأشعري، وإسناده صحيح، وصححه ابن حبان وابن كثير في «مسند الفاروق» (٢/ ٤٩٥ - ٤٩٦)، وقال الهيثمي (٦/ ٢١٦): رجاله رجال الصحيح.
(٢) انظر: «مجموع الفتاوى» (٢٨/ ٢٢).
(٣) لم يصلنا. انظر: «ابن قيم الجوزية ــ حياته، آثاره، موارده» للشيخ بكر أبو زيد (ص ٢٢٣ - ٢٢٥).
(٤) انظر: «الفروسية» (ص ١٦٩ وما بعدها).
في مأثم؛ فلا بأس بها، والله أعلم.
المثال التسعون: يجوز اشتراط الخيار في البيع فوق ثلاث على أصح قولَي العلماء، وهو مذهب الإمام أحمد ومالك. وقال الشافعي وأبو حنيفة: لا يجوز، وقد تدعو الحاجة إلى جوازه؛ لكون المبيع لا يمكنه استعلامه١ في ثلاثة أيام؛ أو لِغَيبة من يشاوره ويثق برأيه، أو لغير ذلك. والقياس المحض جوازه كما يجوز تأجيل الثمن فوق ثلاث، والشارع لم يمنع من الزيادة على الثلاثة، ولم يجعلها حدًّا فاصلًا بين ما يجوز من المدة وما٢ لا يجوز، وإنما ذكرها في حديث حَبَّان بن مُنقِذ٣ وجعلها له بمجرد البيع، وإن لم يشترطها؛ لأنه كان يُغلَب في البيوع، فجعل له ثلاثًا في كل سلعة يشتريها، سواء شرط ذلك أو لم يشرطه، هذا ظاهر الحديث، فلم يتعرض للمنع من الزيادة على الثلاث بوجه من الوجوه.
فإن أراد الجواز على قول الجميع؛ فالمخرج أن يشترط الخيار ثلاثًا، فإذا قارب انقضاءُ الأجل فسخَه ثم اشترط ثلاثًا، وهكذا حتى تنقضي المدة التي اتفقا عليها. وليست هذه الحيلة محرَّمة؛ لأنها لا تدخل في باطل، ولا تخرج من حق، وهذا بخلاف الحيلة على إيجار الوقف مائة سنة، وقد شرط الواقف أن لا يُؤجِر أكثر من سنة واحدة، فتحيَّل على إيجاره أكثر منها بعقودٍ متفرقة في ساعة واحدة كما تقدم.