تقارب إدراكُه وتلاحقُه أم تباعد، وهو مذهب الليث بن سعد. وعلى هذا فلا حاجة إلى الاحتيال١ على الجواز.
وقالت الحنفية: إذا خرج بعض الثمرة دون بقيتها، أو خرج الجميع وبعضه قد بدا صلاحه دون بعض، لا يجوز البيع؛ للجمع بين الموجود والمعدوم والمتقوّم وغيره، فتصير حصّة٢ الموجود المتقوّم مجهولةً فيفسد البيع. وبعض الشيوخ كان يفتي بجوازه في الثمار والباذنجان ونحوها، جعلًا للمعدوم تبعًا للموجود. وأفتى محمد بن الحسن بجوازه في الورد لسرعة تلاحُقِه. قال شمس الأئمة السرخسي٣: والأصح المنع.
قالوا: فالحيلة في الجواز أن يشتري الأصول، وهذا قد لا يتأتَّى غالبًا. قالوا: فالحيلة أيضًا أن يشتري الموجود الذي بدا صلاحه بجميع الثمن، ويُشهِد عليه أنه قد أباح له ما يحدث من٤ بعدُ. وهذه الحيلة أيضًا قد تتعذَّر أو قد ترجع في الإباحة، وإن جُعلت هبةً فهبة المعدوم لا تصح.
وإن ساقاه على الثمرة من كل ألف٥ جزء على جزء ــ مثلًا ــ لم تصح المساقاة عندهم، وتصح عند أبي يوسف ومحمد.
وإن آجره الشجرةَ لأخذِ ثمرِها لم تصح عندهم وعند غيرهم؛ فالحيلة إذًا أن يبيعه الثمرة الموجودة ويُشهِد عليه أن ما يحدث بعدها فهو حادث
(١) ز: «احتيال».
(٢) ك، ب: «جهة».
(٣) في «المبسوط» (١٢/ ١٩٧).
(٤) «من» ليست في ز.
(٥) «ألف» ليست في ز.
على مِلك المشتري، لا حقَّ للبائع فيه، ولا يذكر سبب الحدوث. ولهم حيلة أخرى فيما إذا بدت الثمار أن يشتريها بشرط القطع، أو يشتريها ويطلق، ويكون القطع موجبَ العقد، ثم يتفقان على التبقية إلى وقت الكمال.
ولا ريبَ أن المَخْرج ببيعها إذا بدا صلاحُ بعضها أو بإجارة الشجر أو بالمساقاة أقربُ إلى النص والقياس وقواعد الشرع من ذلك، كما تقدم تقريره.
المثال الثالث والتسعون: إذا وكَّله أن يشتري له بضاعة، وتلك البضاعة عند الوكيل، وهي رخيصة تساوي أكثر مما اشتراها به، ولا تسمح نفسه أن يبيعها بما اشتراها به؛ فالحيلة أن يبيعها [١٤٢/أ] بما تساويه بيعًا تامًّا صحيحًا لأجنبي، ثم إن شاء اشتراها من الأجنبي لموكِّله. ولكن تدخل هذه الحيلة سدّ الذرائع؛ إذ قد يتخذ ذلك ذريعةً إلى أن يبيعها بأكثر مما تساوي، فيكون قد غشَّ الموكِّل. ويظهر هذا إذا اشتراها بعينها دون غيرها؛ فيكون قد غرَّ١ الموكِّل، فإن كان الموكِّل لو اطلع على الحال لم يكره ذلك ولم يَرَه غرورًا فلا بأس به، وإن كان لو اطلع عليه لم يَرْضَه لم يجز، والله أعلم.
المثال الرابع والتسعون: إذا اشترى منه دارًا، وخاف احتيال البائع عليه بأن يكون قد ملَّكها لبعض ولده، فيتركها في يده مدة ثم يدَّعيها عليه، ويحسب سكناها بثمنها، كما يفعله المخادعون الماكرون؛ فالحيلة أن يحتاط لنفسه بأنواع من الحيل: