إعلام الموقعين

فالنوعان الأولان جائزان، وفي الثالث تفصيل، فلا يمكن القول بجوازه على الإطلاق، ولا بالمنع منه على الإطلاق، بل إن كان المتحيَّلُ به حرامًا لحق١ الله لم يجز مقابلته بمثله، كما لو جرَّعه الخمرَ أو زنى بحرمته. وإن كان حرامًا لكونه ظلمًا له في ماله، وقدَرَ على ظلمه بمثل ذلك فهي مسألة الظفر.

وقد توسَّع فيها قوم حتى أفرطوا، وجوَّزوا قَلْع الباب، ونَقْب الحائط، وخَرْق السقف، ونحو ذلك؛ لمقابلته بأخذ نظير ماله. ومنعها قوم بالكلية، وقالوا: لو كان له عنده وديعة أو له عليه دين لم يجز له أن يستوفي منه قدْرَ حقِّه إلا بإعلامه به. وتوسَّط آخرون وقالوا: إن كان سبب الحق ظاهرًا كالزوجية والأبوة والبنوة وملك اليمين الموجب للإنفاق، فله أن يأخذ قدْرَ حقِّه من غير إعلامه، وإن لم يكن ظاهرًا كالقرض وثمن المبيع ونحو ذلك، لم يكن له الأخذُ إلا بإعلامه. وهذا أعدل الأقوال في المسألة، وعليه تدلُّ السنة دلالة صريحة؛ والقائلون به أسعدُ بها، وبالله التوفيق.

وإن كان بهتًا له وكذبًا عليه أو قذفًا له أو شهادةً عليه بالزور لم يجز له مقابلته بمثله، وإن كان دعاءً عليه أو لعنًا أو مسبةً فله مقابلته بمثله على أصح القولين، وإن منعه كثير من الناس. وإن كان إتلافَ مالٍ له، فإن كان محترمًا كالعبد والحيوان لم يجز له مقابلته بمثله، وإن كان غيرَ محترمٍ فإن خاف تعدِّيه فيه لم يجز له مقابلته بمثله، كما لو حرَّق داره لم يجز له أن يحرِّق داره، وإن لم يتعدَّ فيه ــ بل كان يفعل به نظيرَ ما فعل به سواء، كما لو قطع شجرته أو كسر إناءه أو فتح قفصًا عن طائره أو حلَّ وِكاءَ مائعٍ له أو أرسل

  1. (١) ز: «بحق».
443

الماء على مسطاحِه١ فذهب بما فيه ونحو ذلك، وأمكنه مقابلته بمثل ما فعل سواء ــ فهذا محلُّ اجتهادٍ، لم يدلَّ على المنع منه كتاب ولا سنة ولا إجماع ولا قياس صحيح، بل الأدلة٢ المذكورة تقتضي جوازه، كما تقدم بيانه في أول الكتاب.

وكان شيخنا ﵁ [١٤٣/أ] يرجِّح هذا ويقول٣: هو أولى بالجواز من إتلاف طرفه بطرفه، والله أعلم.

المثال السادس والتسعون: الضمان والكفالة من العقود اللازمة، ولا يمكن الضامنَ والكفيلَ أن يتخلَّص متى شاء، ولا سيما عند من يقول: إن الكفالة توجب ضمان المال إذا تعذَّر إحضارُ المكفول به مع بقائه، كما هو مذهب الإمام أحمد ومن وافقه.

وطريق التخلص من وجوه:

أحدهما: أن يوقِّتها بمدة، فيقول: ضمنتُه أو تكفَّلتُ به شهرًا أو جمعةً، ونحو ذلك، فيصح.

الثاني: أن يقيِّدها بمكان دون مكان، فيقول: ضمنتُه أو تكفَّلتُ به ما دام في هذا البلد أو في هذا السوق.

الثالث: أن يعلِّقها على شرط، فيقول: ضمنتُ أو كفلتُ إن رضي فلان،

  1. (١) في «تاج العروس» (سطح) أن المسطاح لغة في المِسْطَح: الموضع الذي يُبسَط فيه التمر ويجفف. وذكر الروياني في «بحر المذهب» (٣/ ١١٠) أن أهل بغداد يسمون الجرين: المسطاح.
  2. (٢) ك: «الأدلة الصحيحة».
  3. (٣) انظر: «مجموع الفتاوى» (٣٠/ ٣٣٢ - ٣٣٣).
444

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي