إعلام الموقعين

بالمكره أشبهُ منه بالمختار، ومثل هذا لا يلزمه ما عقده من هذه العقود.

ومن له قدمٌ راسخ في الشريعة، ومعرفة بمصادرها ومواردها، وكان الإنصاف أحبَّ إليه من التعصب والهوى، والعلم والحجة آثرَ عنده من التقليد، لم يكد يخفى عليه الصواب، والله الموفق.

وهذه المسألة من نفائس هذا الكتاب، والجاهل الظالم لا يرى الإحسان إلا إساءةً، ولا الهدى إلا ضلالةً.

فقلْ للعيونِ الرُّمْدِ للشمسِ أعيُنٌسواكِ تراها في مَغيبٍ ومَطلعِ
وسامِحْ نفوسًا بالقُشور قد ارتضَتْوليس لها لِلُّب من مُتطلّعِ١

المثال الثاني بعد المائة: اختلف الفقهاء هل يملك البائع حبْسَ السلعة على ثمنها؟ وهل يملك المستأجر حبْسَ العين بعد العمل على الأجرة؟ على ثلاثة أقوال:

أحدها: يملكه في الموضعين، وهو قول مالك وأبي حنيفة٢.

والثاني: لا يملكه في الموضعين، وهو المشهور من مذهب أحمد عند أصحابه.

والثالث: يملك حبْسَ العين المستأجرة على عملها، ولا يملك حبْسَ المبيع على ثمنه. والفرق بينهما أن العمل يجري مجرى الأعيان، ولهذا يقابل بالعوض؛ فصار كأنه شريك٣ لمالك العين بعمله، فأثر عمله قائم

  1. (١) لم أجد البيتين فيما بين يديّ من المصادر، وهما أشبه بشعر المؤلف.
  2. (٢) بعدها في المطبوع: «وهو المختار». وليست في النسخ.
  3. (٣) ز: «شريكًا».
451

بالعين؛ فلا يجب عليه تسليمه قبل أن يأخذ عوضه. بخلاف المبيع؛ فإنه قد١ دخل في ملك المشتري، وصار الثمن في ذمته، ولم يبق للبائع تعلقٌ بالعين.

ومن سوَّى بينهما قال: الأجرة قد صارت في الذمة، ولم يشترط رهن العين عليها، فلا يملك حبسها. وعلى هذا فالحيلة في الحبس في الموضعين حتى يصل إلى [١٤٥/أ] حقه: أن يشترط عليه رهن العين المستأجرة على أجرتها، فيقول: رهنتُك هذا الثوب على الأجرة٢، وهي كذا وكذا. وهكذا في المبيع يَشرط على المشتري رهْنَه على ثمنه حتى يسلِّمه إليه، ولا محذورَ في ذلك أصلًا، ولا معنى، ولا مأخذٌ قويّ يمنع صحة هذا الشرط والرهن، وقد اتفقوا أنه لو شرط عليه رهْنَ عينٍ أخرى على الثمن جاز، فما الذي يمنع جواز رهن المبيع على ثمنه؟

ولا فرقَ بين أن يقبضه أو لا يقبضه على أصح القولين. وقد نصّ الإمام أحمد على جواز اشتراط رهن المبيع على ثمنه، وهو الصواب ومقتضى قواعد الشرع وأصوله. وقال القاضي وأصحابه: لا يصح، وعلَّله ابن عقيل بأن المشتري رهن ما لا يملك، فلم يصح، كما لو شرط أن يرهنه عبدًا لغيره يشتريه ويرهنه. وهذا تعليل باطل؛ فإنه إنما حصل الرهن بعد ملكه، واشتراطُه قبل الملك لا يكون بمنزلة رهن الملك.

والفرق بين هذه المسألة وبين اشتراط رهن عبد زيد: أن اشتراط٣

  1. (١) «قد» ليست في ك.
  2. (٢) ك: «أجرته».
  3. (٣) ز: «اشترط».
452

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي