إعلام الموقعين

يُحِلَّه: هذا حلال. وهذا بيان منه سبحانه أنه لا يجوز للعبد أن يقول: هذا حلال وهذا حرام، إلّا لِما عَلم أنَّ الله سبحانه أحلَّه وحرَّمه١.

وقال بعض السلف٢: لِيتَّقِ أحدُكم أن يقول: أحلَّ الله كذا، وحرَّم الله كذا٣، فيقولَ الله له: كذبتَ، لَمْ أُحِلَّ كذا، ولمْ أحرِّم كذا.

فلا ينبغي أن يقول لما لا يعلم ورودَ الوحي المُبِين بتحليله وتحريمه: أحلَّه الله، وحرَّمه الله؛ لمجرَّد التقليد أو بالتأويل.

وقد نهى النبيُّ ﷺ في الحديث الصحيح أميرَه بُرَيدة أن يُنْزِلَ عدوَّه إذا حاصرهم على حكم الله، وقال: "فإنك لا تدري أتصيبُ حُكمَ الله فيهم أم لا، ولكن أَنزِلْهم على حكمك وحكم أصحابك"٤. فتأمَّلْ كيف فرَّق بين حكم الله وحكم الأمير المجتهد، ونهى أن يسمَّى حكمُ المجتهدين "حكم الله".

ومن هذا: لما كتب الكاتب بين يدي أمير المؤمنين عمر بن الخطاب ﵁ حكمًا حكَم به، فقال: هذا ما أرى اللهُ أميرَ المؤمنين عمرَ، فقال: لا

  1. (١) ع: "أو حرَّمه".
  2. (٢) وكذا في "مدارج السالكين" (١/ ٣٧٩) و"أحكام أهل الذمة" (١/ ١١٤). وسيأتي قريبًا منسوبًا إلى الربيع بن خُثَيم، وهناك تخريجه.
  3. (٣) ما عدا ح: "وحرَّم كذا".
  4. (٤) جزء من حديث بُرَيدة بن الحُصَيب، أخرجه مسلم (١٧٣١) كما سيأتي مرة أخرى عنه بهذا اللفظ، وليس في رواية مسلم: "وحكم أصحابك". والحديث بهذا اللفظ أخرجه الطبراني في "الأوسط" (١٣٥)، وقال: لم يرو هذا الحديث عن سعيد بن أبي هلال إلا خالد بن يزيد، تفرَّد به ابن لهيعة. وقد نقله المؤلف في "أحكام أهل الذمة" كما في "الصحيح".
81

تقل هكذا، ولكن قل: هذا ما رأى أميرُ المؤمنين عمرُ بن الخطاب١.

وقال ابن وهب: سمعتُ مالكًا يقول: لم يكن من أمر الناس ولا مَن مضى مِن سلفنا، ولا أدركتُ أحدًا أقتدي به يقول في شيء: هذا حلال، وهذا حرام. ما كانوا يجترئون على ذلك، وإنما كانوا يقولون: نكره٢ كذا، ونرى هذا حسنًا، ويُتَّقَى٣ هذا، ولا نرى هذا٤.

ورواه عنه عتيق بن يعقوب، [٢١/أ] وزاد: ولا يقولون حلال ولا حرام. أما سمعتَ٥ قول الله تعالى: ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ لَكُمْ مِنْ رِزْقٍ فَجَعَلْتُمْ مِنْهُ حَرَامًا وَحَلَالًا قُلْ آللَّهُ أَذِنَ لَكُمْ أَمْ عَلَى اللَّهِ تَفْتَرُونَ﴾ [يونس: ٥٩] الحلالُ: ما أحلَّه الله ورسوله، والحرامُ: ما حرَّمه الله ورسوله٦.

قلت: وقد غلِط كثيرٌ من المتأخرين من أتباع الأئمة على أئمتهم بسبب ذلك، حيث تورَّع الأئمة عن إطلاق لفظ التحريم، وأطلقوا لفظ الكراهة؛ فنفى المتأخرون التحريمَ عمَّا أطلق عليه الأئمةُ الكراهةَ، ثم سهُل عليهم لفظُ

  1. (١) رواه ابن حزم في "الإحكام" (٦/ ٤٨)، والبيهقي (١٠/ ١١٦)، وأبو إسماعيل الهروي في "ذم الكلام" (٢٦٦) من طريقين عن أبي إسحاق الشيباني، عن أبي الضحى، عن مسروق به. وصحّحه ابن حجر في "التلخيص الحبير" (٤/ ٣٥٨).
  2. (٢) ح: "يُكره".
  3. (٣) هكذا في س، ت مضبوطًا بضم أوله. وحرف المضارعة مهمل في ح. وفي ت: "ننفي". وفي ع، ف، والمطبوع: "نتّقي". وفي طبعة الشيخ محمد محيي الدين ومن تابعه: "فينبغي".
  4. (٤) ذكره ابن عبد البر في "جامع بيان العلم وفضله" (٢٠٩١).
  5. (٥) ت: "سمعتم".
  6. (٦) ذكره ابن عبد البر في "جامع بيان العلم وفضله" (٢٠٩١) معلّقًا.
82

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي