ولم يكن هناك تحليل مشروط ولا منويٌّ ممن تؤثِّر نيتُه وشرطه، وهو الزوج؛ فإنه لا أثر لنية الزوجة ولا الولي، وإنما التأثير لنية الزوج الثاني١، فإنه إذا نوى التحليل كان محللًا فيستحقُّ اللعنة، ثم يستحقُّها الزوج المطلّق إذا رجعت إليه بهذا النكاح الباطل. فأما إذا لم يعلم الزوج الثاني ولا الأول بما في قلب المرأة أو وليها من نية التحليل لم يضرّ ذلك العقد شيئًا. وقد علم النبي ﷺ من امرأة رفاعة أنها كانت تريد أن ترجع إليه، ولم يجعل ذلك مانعًا من رجوعها إليه، وإنما جعل المانع عدم وطء الثاني، فقال: «حتى تذوقي عُسَيلتَه ويذوق عُسَيلتكِ»٢.
وقد صرَّح أصحابنا بأن ذلك يُحِلُّها، فقال صاحب «المغني»٣ فيه: «فإن تزوَّجها مملوك ووطئها أحلَّها، وبذلك قال عطاء ومالك والشافعي وأصحاب الرأي، ولا نعلم لهم مخالفًا».
قلت: وهذه الصورة غير الصورة التي منع منها الإمام أحمد، فإنه منع من حلِّها إذا كان الزوج المطلق قد اشترى العبد وزوَّجه بها بإذن وليها ليُحِلَّها، فهذه حيلة لا تجوز عنده، وأما هذه المسألة فليس للزوج الأول ولا للثاني فيها نية، ومع هذا فيُكْره؛ لأنها نوع حيلة.
المثال الرابع عشر بعد المائة: قال عبد الله بن أحمد في «مسائله»٤: سألتُ أبي عن رجل قال لامرأته: أنتِ طالق إن لم أجامعكِ اليوم، وأنتِ
(١) «الزوجة ... الزوج الثاني» ليست في ك.
(٢) تقدم تخريجه.
(٣) (١٠/ ٥٥١).
(٤) (ص ٣٦١).
طالق [١٤٩/ب] إن اغتسلتُ منكِ اليوم، فقال: يصلِّي العصر ثم يجامعها، فإذا غابت الشمس اغتسل إن لم يكن أراد بقوله «اغتسلتُ» المجامعةَ.
ونظير هذا أيضًا ما نصَّ١ في رجلٍ قال لامرأته: أنتِ طالق إن لم أطأكِ في رمضان، فسافر مسيرةَ أربعة أيام أو ثلاثة ثم وطئها، فقال: لا يعجبني؛ لأنها حيلة، ولا يعجبني الحيلة٢ في هذا، ولا في غيره.
قال القاضي٣: إنما كره الإمام أحمد هذا لأن السفر الذي يبيح الفطر لا بدَّ أن يكون سفرًا مقصودًا مباحًا، وهذا لا يقصد به غير حلِّ اليمين.
قال الشيخ أبو محمد المقدسي٤: والصحيح أن هذا تنحلُّ به اليمين، ويُباح له الفطر فيه؛ لأنه سفر بعيد مباح لقصدٍ صحيح، وإرادة حلِّ يمينه من المقاصد الصحيحة. وقد أَبحنا لمن له طريقان: قصيرة لا يقصر فيها وبعيدة= أن يسلك البعيدة؛ ليقصر فيها الصلاة ويفطر، مع أنه لا قصدَ له سوى الترخُّص٥، فهاهنا أولى.
قلت: ويؤيد اختيارَ الشيخ ــ قدَّس الله روحه ــ ما رواه الخطيب في كتاب «الفقيه والمتفقه»٦: أبنا الأزهري أبنا سهل بن أحمد ثنا محمد بن
(١) في المصدر السابق (ص ٣٣٤).
(٢) «ولا يعجبني الحيلة» ساقطة من ك، ب.
(٣) كما في «المغني» (١٠/ ٥٤٦).
(٤) في «المغني» (١٠/ ٥٤٦).
(٥) ز: «الرخص». والمثبت من النسخ الأخرى موافق لما في «المغني».
(٦) (٢/ ٤١١). ومحمد بن محمد بن الأشعث عنده نسخة مكذوبة عن علي، انظر: «الكامل» (٧/ ٥٦٥).