إعلام الموقعين

الرجل البَنْج١ أو الدواء فيذهب عقلُه، قلت: فبيعه وشراؤه وإقراره؟ قال: لا يجوز.

وقال في رواية أبي الحارث: أرفعُ شيءٍ فيه حديث الزهري عن أبان بن عثمان عن عثمان: ليس لمجنونٍ ولا سكرانَ طلاقٌ٢.

وقال في رواية أبي طالب: والذي لا يأمر بالطلاق فإنما أتى خصلةً واحدة، والذي يأمر بالطلاق قد أتى خصلتين: حرَّمها عليه، وأحلَّها لغيره، فهذا خير من هذا، وأنا أتَّقي جميعًا.

وممن ذهب إلى القول بعدم نفوذ طلاق السكران من الحنفية: أبو جعفر الطحاوي وأبو الحسن الكرخي، وحكاه صاحب «النهاية»٣ عن أبي يوسف وزفر.

ومن الشافعية: المزني وابن سُريج وجماعة ممن اتبعهما، وهو الذي اختاره الجويني في «النهاية»٤. والشافعي نصَّ على وقوع طلاقه، ونصَّ في أحد قوليه على أنه لا يصح ظهاره. فمن أتباعه من نقلَ من الظهار قولًا إلى الطلاق، وجعلَ المسألة على قولين، ومنهم من قرَّر حكم النصين، ولم يفرِّق بطائلٍ.

  1. (١) جنس نباتات طبية مخدّرة من الفصيلة الباذنجانية.
  2. (٢) تقدم تخريجه.
  3. (٣) «نهاية المطلب» (١٤/ ١٦٨). وليس فيه ذكر زفر.
  4. (٤) المصدر نفسه.
474

والصحيح أنه لا عبرةَ بأقواله من طلاق، ولا عتاق، ولا بيع، [١٥٠/ب] ولا هبة، ولا وقف، ولا إسلام، ولا ردّة، ولا إقرار؛ لبضعة عشر دليلًا ليس هذا موضع ذكرها١، ويكفي منها قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ﴾ [النساء: ٤٣]، وأمرُ النبي ﷺ باستنكاه ماعز لما أقرَّ بالزنا بين يديه، وعدمُ أمرِ النبي ﷺ حمزة بتجديد إسلامه لما قال في سكره: «أنتم عبيد لآبائي»، وفتوى عثمان وابن عباس، ولم يخالفهما أحد من الصحابة، والقياس الصحيح المحض على زائل العقل بدواء أو بَنْجٍ أو مسكر هو فيه معذور، ومقتضى قواعد الشريعة؛ فإن السكران لا قصدَ له؛ فهو أولى بعدم المؤاخذة من اللاغي ومَن جَرى اللفظُ على لسانه من غير قصدٍ له. وقد صرَّح أصحاب أبي حنيفة بأنه لا يقع طلاق الموسوس، وقالوا: لا يقع طلاق المعتوه، وهو من كان قليل الفهم مختلط الكلام فاسد التدبير، إلا أنه لا يضرب ولا يشتم كما يفعل المجنون.

فصل

المخرج الثاني: أن يطلِّق أو يحلف في حال غضب شديد قد حال بينه وبين كمال قصده وتصوره؛ فهذا لا يقع طلاقه ولا عتقُه ولا وقفُه، ولو بَدرتْ منه كلمة الكفر في هذا الحال لم يكفر، وهذا نوع من الغلق والإغلاق الذي منع رسول الله ﷺ وقوعَ الطلاق والعتاق فيه، نصَّ على ذلك الإمام أحمد وغيره.

قال أبو بكر عبد العزيز في كتاب «زاد المسافر» له: باب في الإغلاق

  1. (١) انظر: «مجموع الفتاوى» (٣٣/ ١٠٦ - ١٠٩) و«زاد المعاد» (٥/ ١٩٠ - ١٩٥).
475

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي