بدا لي فتركتُ اليمين، ولم أُرِد التنجيز في الحال= أنه١ لا تطلَّق عليه. وهذا هو الفقه بعينه؛ لأنه لم يُرِد التنجيز، ولم [١٥١/أ] يُتمَّ اليمين.
وكذلك لو أراد أن يقول: «أنت طاهر»، فسبق لسانه فقال: «أنتِ طالق» لم يقع طلاقه، لا في الحكم الظاهر، ولا فيما بينه وبين الله ﷿، نصَّ عليه الإمام أحمد في إحدى الروايتين، والثانية: لا يقع فيما بينه وبين الله، ويقع في الحكم. وهذا إحدى الروايتين عن أبي يوسف.
وقال ابن أبي شيبة٢: حدثنا محمد بن مروان عن عُمارة سئل جابر بن زيد عن رجل غلِطَ بطلاق امرأته، فقال: ليس على المؤمن غلطٌ. حدثنا وكيع عن إسرائيل [عن جابر] عن عامر في رجل أراد أن يتكلم في شيء فغلِطَ، فقال الشعبي: ليس بشيء.
فصل
المخرج الثالث: أن يكون مُكرَهًا على الطلاق أو الحلف به عند جمهور الأمة من الصحابة والتابعين ومن بعدهم، وهو قول أحمد ومالك والشافعي وجميع أصحابهم، على اختلاف بينهم في حقيقة الإكراه وشروطه.
قال الإمام أحمد في رواية أبي طالب: يمين المستكْرَه إذا ضُرِب، ابنُ عمر وابنُ الزبير لم يرياه شيئًا٣.
(١) مفعول «نصَّ» قبل ثلاثة أسطر.
(٢) في «المصنّف» (١٨٥٤١، ١٨٥٤٢). والزيادة بين المعكوفتين منه.
(٣) رواه مالك (٢/ ٥٨٧) وعبد الرزاق (١١٤١٠ - ١١٤١٣) والبيهقي (٧/ ٣٥٨) من طرق عنهما، والأثر صحيح.
وقال في رواية أبي الحارث: إذا طلَّق المكره لم يلزمه الطلاق، إذا فُعِل به كما فُعِل بثابت بن الأحنف فهو مكره؛ لأن ثابتًا عصروا رجلَه حتى طلَّق، فأتى ابن عمر وابن الزبير فلم يريا ذلك شيئًا١. وكذا قال الله ﷿: ﴿إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ﴾[النحل: ١٠٦].
وقال الشافعي٢: قال الله ﷿: ﴿إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ﴾، وللكفر أحكام، فلما وضعها الله تعالى عنه سقطتْ أحكام الإكراه عن القول كله؛ لأن الأعظم إذا سقط عن الناس سقط ما هو أصغر منه.
وفي «سنن ابن ماجه» و«سنن البيهقي»٣ من حديث بشر بن بكر عن الأوزاعي عن عطاء عن عبيد بن عمير عن ابن عباس عن النبي ﷺ: «إن الله وَضَع عن أمتي» ــ وقال البيهقي: «تجاوز لي عن أمتي ــ الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه».
وفي «الصحيحين»٤ من حديث أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ:
(١) هو الأثر المذكور في رواية أبي طالب.
(٢) في كتاب «الأم» (٤/ ٤٩٦).
(٣) رواه ابن ماجه (٢٠٤٥) وابن حبان (٧٢١٩) والحاكم (٢/ ٢١٦) والبيهقي (٧/ ٣٥٦)، وصححه ابن حبان والحاكم، وقال البيهقي: «جوَّد إسناده بشر بن بكر وهو من الثقات، ورواه الوليد بن مسلم عن الأوزاعي فلم يذكر في إسناده عبيد بن عمير». وانظر: «الصحيحة» (٢٨).