إعلام الموقعين

وإن تركها؛ فإن الله سبحانه لم يوجب التورية على من أكره على كلمة الكفر وقلبه مطمئنٌّ بالإيمان، مع أن التورية هناك أولى.

ولأن المكره إنما لم١ يعتبر لفظه لأنه غير قاصدٍ لمعناه، ولا مريد لموجبه، وإنما تكلم به فداءً لنفسه من ضرر الإكراه، فصار تكلُّمه باللفظ لغوًا بمنزلة كلام المجنون والنائم ومن لا قصدَ له، فسواءٌ ورَّى أو لم يُورِّ.

وأيضا فاشتراط التورية إبطال لرخصة التكلُّم مع الإكراه، ورجوع إلى القول بنفوذ طلاق المكره؛ فإنه لو ورَّى بغير إكراه لم يقع طلاقه، فالتأثير إذًا إنما هو للتورية لا للإكراه، وهذا باطل.

وأيضًا فإن المورِّي إنما لم يقع طلاقه مع قصده للتكلُّم باللفظ؛ لأنه لم يقصد مدلوله، وهذا المعنى بعينه [١٥٢/أ] ثابت في الإكراه، فالمعنى الذي منع من النفوذ في التورية هو الذي منع من٢ النفوذ في الإكراه.

فصل

المخرج الرابع: أن يستثني في يمينه أو طلاقه، وهذا موضع اختلف فيه الفقهاء:

فقال الشافعي وأبو حنيفة: يصح الاستثناء في الإيقاع والحلف، فإذا قال: «أنتِ طالق إن شاء الله» أو «أنتِ حرة إن شاء الله» أو «إن كلَّمتِ فلانًا فأنتِ طالق إن شاء الله»٣ أو «الطلاقُ يلزمني لأفعلنَّ كذا إن شاء الله» أو «إن

  1. (١) «لم» ليست في ك.
  2. (٢) «من» ليست في ك.
  3. (٣) «إن شاء الله» ليست في ز.
483

كلَّمتُ فلانًا فأنتِ طالقٌ إن شاء الله»١ أو «أنتِ عليَّ حرام أو الحرام يلزمني إن شاء الله» نفعه الاستثناء، ولم يقع به طلاق في ذلك كله.

ثم اختلفا في الموضع الذي يُعتبر فيه الاستثناء، فاشترط أصحاب أبي حنيفة اتصالَه بالكلام فقط، سواء نواه من٢ أوله أو قبل الفراغ من كلامه أو بعده.

وقال أصحاب الشافعي: إن عقَدَ اليمين ثم عنَّ له الاستثناء لم يصحّ، وإن عنَّ الاستثناء في أثناء اليمين فوجهان؛ أحدهما: يصح، والثاني لا يصح، وإن نوى الاستثناء مع عقد اليمين صحَّ وجهًا واحدًا.

وقد ثبت بالسنة الصحيحة أن سليمان بن داود عليهما الصلاة والسلام قال: لأطوفنَّ الليلةَ على كذا وكذا امرأة، تحملُ كل امرأة منهن غلامًا يقاتل في سبيل الله، فقال له الملك الموكَّل به: قلْ إن شاء الله، فلم يقل، فقال النبي ﷺ: «والذي نفسي بيده، لو قالها لقاتلوا في سبيل الله فُرسانًا أجمعون»٣. وهذا صريح في نفع الاستثناء المقصود بعد عقد اليمين.

وثبت في «السنن» عنه ﷺ أنه قال: «والله لأغزونَّ قريشًا، والله لأغزونَّ قريشًا، والله لأغزونَّ قريشًا»، ثم سكت قليلًا ثم قال: «إن شاء الله». ثم لم يغزُهم. رواه أبو داود٤.

  1. (١) تكررت هذه الجملة في النسخ. ولعل «كلمت» الأولى بصيغة الخطاب والثانية بصيغة التكلم.
  2. (٢) «أصحاب ... نواه من» ساقطة من ك.
  3. (٣) رواه البخاري (٢٨١٩، ٦٦٣٩) ومسلم (١٦٥٤) من حديث أبي هريرة ﵁.
  4. (٤) برقم (٣٢٨٥، ٣٢٨٦). وتقدم تخريجه.
484

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي