إعلام الموقعين

وفي «جامع الترمذي»١ من حديث ابن عمر ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ: «من حلف على يمينٍ فقال إن شاء الله فلا حِنْثَ عليه». وقد قال تعالى: ﴿وَلَا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَدًا ٢٣ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ وَاذْكُرْ رَبَّكَ إِذَا نَسِيتَ﴾ [الكهف: ٢٣ - ٢٤].

فهذه النصوص الصحيحة لم يُشترط في شيء منها البتَّةَ٢ في صحةِ الاستثناء ونفْعِه أن ينويَه مع الشروع في اليمين ولا قبلها، بل حديث سليمان صريح في خلافه. وكذلك حديث «لأغزونَّ قريشًا»، وحديث ابن عمر يتناول٣ لكل من قال إن شاء الله بعد يمينه، نوى الاستثناء قبل الفراغ أو لم ينوِه. والآية دالة على نفع الاستثناء٤ مع النسيان أظهر دلالة. ومَن شَرَط النية قبل الفراغ لم يكن لذكر الاستثناء بعد النسيان عنده تأثير.

وأيضًا فالكلام بآخره، وهو كلام متصل بعضه ببعض، فلا معنى

  1. (١) رقم (١٥٣١). ورواه أيضًا أحمد (٤٥١٠، ٤٥٨١، ٥٠٩٣) والدارمي (٢٣٨٨) وأبو داود (٣٢٦١) والنسائي (٣٧٩٣) وابن ماجه (٢١٠٦) مرفوعًا، وأخرجه مالك (٢/ ٤٧٧) وعبد الرزاق (١٦١١١ - ١٦١١٤) والبيهقي (١٠/ ٤٦) موقوفًا. قال الترمذي: «وقد رواه عبيد الله بن عمر وغيره، عن نافع، عن ابن عمر موقوفًا. وهكذا روي عن سالم، عن ابن عمر موقوفًا. ولا نعلم أحدًا رفعه غير أيوب السختياني، وقال إسماعيل بن إبراهيم: وكان أيوب أحيانًا يرفعه، وأحيانًا لا يرفعه»، ورجح الوقف أحمد كما في «التتبع» للدارقطني (ص ١٣) والبخاري كما في «العلل الكبير» (ص ٢٧٢) والبيهقي. وانظر تعليق محققي «المسند» على الحديث (٨٠٨٨).
  2. (٢) ز: «النية».
  3. (٣) كذا في النسخ، وفي المطبوع: «متناول».
  4. (٤) «قبل الفراغ ... الاستثناء» ساقطة من ك.
485

لاشتراط النية في أجزائه وأبعاضه.

وأيضًا فإن الرجل قد يستحضر بعد فراغه من الجملة ما يرفع بعضها، ولا يذكر ذلك في حال تكلُّمه بها، فيقول: لزيدٍ عندي ألف درهم، ثم في الحال يذكر أنه قضاه منها مائةً فيقول: إلا مائة، فلو اشترط نية١ الاستثناء [١٥٢/ب] قبل الفراغ لتعذَّر عليه استدراك ذلك، وأُلجِئ إلى الإقرار بما لا يلزمه والكذب فيه. وإذا كان هذا في الإخبار فمثله في الإنشاء سواء؛ فإن الحالف قد يبدو له فيعلِّق اليمين بمشيئة الله، وقد يَذهَل في أول كلامه عن قصد الاستثناء، أو يَشْغله شاغل عن نيته، فلو لم ينفعه الاستثناء حتى يكون ناويًا له من أول يمينه لفاتَ مقصودُ الاستثناء، وحصل الحرج الذي رفعه الله سبحانه عن الأمة به. ولما قال لرسوله إذا نسيه: ﴿وَاذْكُرْ رَبَّكَ إِذَا نَسِيتَ﴾ وهذا متناولٌ لذكره إذا نسي الاستثناء قطعًا، فإنه سبب النزول، ولا يجوز إخراجه وتخصيصه؛ لأنه مراد قطعًا.

وأيضًا فإن صاحب هذا القول إن طردَه لزمه أن لا يصحَّ مخصِّصٌ من صفة أو بدل أو غاية أو استثناء بإلّا ونحوها حتى ينويه المتكلم من أول كلامه؛ فإذا قال: «له عليَّ ألف درهم٢ مؤجَّلة إلى سنة» هل يقول عالم: إنه لا يصح وصفها بالتأجيل حتى يكون منويًّا من أول الكلام؟

وكذلك إذا قال: «بعتُك هذا بعشرةٍ» فقال: «اشتريتُه على أن لي الخيار ثلاثة أيام» يصح هذا الشرط وإن لم ينوِه من أول كلامه، بل عنَّ له الاشتراط عقيب القبول.

  1. (١) ك: «فيه».
  2. (٢) «درهم» ليست في ز.
486

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي