إعلام الموقعين

ومثله لو قال: «وقفتُ داري على أولادي أو غيرهم بشرط كونهم فقراء أو مسلمين أو متأهلين، وعلى أنه من مات منهم فنصيبه لولده أو للباقين» صح ذلك، وإن عنَّ له ذكرُ هذه الشروط بعد تلفُّظه بالوقف. ولم يقل أحد: لا١ تُقبَل منه هذه الشروط إلا أن يكون قد نواها قبل الوقف أو معه، ولم يقع في زمن من الأزمنة سؤالُ الواقفين عن ذلك.

وكذلك لو قال: «له عليَّ مائة درهم إلا عشرة» فإنه يصح الاستثناء وينفعه، ولا يقول له الحاكم: إن كنتَ نويتَ الاستثناء من أول كلامك لزمك تسعون، وإن كنت إنما نويتَه بعد الفراغ لزمك مائة، ولو اختلف الحال لبيَّن له الحاكم ذلك، ولساغَ له أن يسأله بل يحلِّفه أنه نوى ذلك قبل الفراغ إذا طلب المقرُّ له ذلك.

وكذلك لو ادَّعى عليه أنه باعه أرضًا فقال: نعم بعتُه هذه الأرض إلا هذه البقعة، لم يقل أحد: إنه قد أقرَّ ببيع الأرض جميعها إلا أن يكون قد نوى استثناء البقعة في أول كلامه.

وقد قال النبي ﷺ عن مكة: «إنه لا يُختلَى خَلاها»، فقال له٢ العباس: إلا الإِذْخِر، فسكت رسول الله ﷺ، ثم قال: «إلا الإذْخِر»٣. وقال في أَسْرى بدر: «لا ينفَلِتْ٤ أحدٌ منهم إلا بفداءٍ أو ضربةِ عنقٍ»، فقال له ابن مسعود:

  1. (١) «لا» ساقطة من ك.
  2. (٢) «له» ليست في ز.
  3. (٣) رواه البخاري (١٣٤٩، ١٨٣٣ ومواضع أخرى) ومسلم (١٣٥٣) من حديث ابن عباس.
  4. (٤) في النسخ: «لا ينقلب». والتصويب من مصادر التخريج.
487

إلا سُهيل بن بيضاء، فقال: «إلا سُهيل بن بَيضاء»١. ومعلوم أنه لم ينوِ واحدًا من هذين الاستثناءين في أول كلامه، بل أنشأه لما ذكِّر به، كما أخبر عن سليمان بن داود صلى الله عليهما وسلَّم أنه لو أنشأ بعد أن ذكَّره به الملك نفعه ذلك.

وشبهة من اشترط ذلك أنه إذا لم ينوِ الاستثناء [١٥٣/أ] من أول كلامه فقد لزمه موجبُ كلامه، فلا يُقبل منه٢ رفعُه ولا رفعُ بعضِه بعد لزومه. وهذه الشبهة لو صحت لما نفع الاستثناء في طلاق ولا عتاق ولا إقرار البتةَ، نواه أولًا أو لم ينوِه؛ لأنه إذا لزمه موجبُ كلامه لم يُقبل منه رفعُه ولا رفعُ بعضِه بالاستثناء. وقد طرد هذا بعض الفقهاء فقالوا: لا يصح الاستثناء في الطلاق؛ توهُّمًا لصحة هذه الشبهة.

وجوابها: أنه إنما يلزمه موجبُ كلامه إذا اقتصر عليه، فأما إذا وصله بالاستثناء أو الشرط، ولم يقتصر على ما دونه، فإن موجب كلامه ما دلَّ عليه سياقه وتمامه، من تقييدٍ باستثناء أو صفة أو شرطٍ أو بدلٍ أو غايةٍ، فتكليفُه نيةَ

  1. (١) رواه أحمد (٣٦٣٢) والترمذي (١٧١٤، ٣٠٨٤) وابن أبي شيبة (٣٧٨٤٥) والحاكم (٣/ ٢٢) والبيهقي (٦/ ٣٢١) من طريق أبي عبيدة عن عبد الله بن مسعود، واختلف الأئمة في حديث أبي عبيدة عن عبد الله، فأعلَّه الترمذي بالانقطاع، وحمله على الاتصال ابن المديني ويعقوب بن شيبة. انظر: «شرح العلل» (١/ ٥٤٤)، وصحح الحديث ابن العربي في «أحكام القرآن» (١/ ٣٩٠) والحافظ في «الإصابة» (٢/ ٩١). وقال ابن رجب في «الفتح» (٧/ ٣٤٢): «وأبو عبيدة وإن لم يسمع من أبيه إلا أن أحاديثه عنه صحيحة تلقاها عن أهل بيته الثقات العارفين بحديث أبيه قاله ابن المديني وغيره».
  2. (٢) في المطبوع: «منع»، تحريف.
488

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي