ثم ساق من طريق الجارود بن يزيد عن بَهْز بن حكيم عن أبيه عن جده مرفوعًا في الطلاق وحده أنه لا يقع١.
ولو كنا ممن يفرح بالباطل ــ ككثير من المصنِّفين الذين يفرح أحدهم بما وجده مؤيِّدًا لقوله ــ لفرحنا بهذه الآثار، ولكن ليس فيها غُنية؛ فإنها كلها آثار باطلة موضوعة على رسول الله ﷺ.
أما الحديث الأول ففيه عدة بلايا:
إحداها: حُميد بن مالك، ضعفه أبو زرعة٢ وغيره.
الثانية: أن مكحولًا لم يلقَ معاذًا. قال أبو زرعة: مكحول عن معاذ منقطع.
الثالثة: أنه قد اضطرب فيه حميد هذا الضعيف؛ فمرة يقول: عن مكحول عن معاذ، ومرة يقول: عن مكحول عن خالد بن معدان عن معاذ، وهو منقطع أيضًا، وقيل: مكحول عن مالك بن يُخامِر عن معاذ. قال البيهقي: ولم يصح.
الرابعة: أن إسماعيل بن عيَّاش ليس ممن يُقبل تفرُّدُه بمثل هذا؛ ولهذا
(١) رواه ابن عدي (٢/ ٥٩٥) وابن الجوزي في «العلل» (٢/ ١٥٤). وفيه الجارود متهم، وضعف الحديث ابن عدي وابن الجوزي وابن عبد الهادي في «التنقيح» (٣/ ٢٢١).
(٢) انظر: «الضعفاء» له (٣/ ٨٠٣)، و«الجرح والتعديل» لابن أبي حاتم (٣/ ٢٢٨).
لم يذهب أحد من الفقهاء إلى هذا الحديث. وما حكاه أبو حامد الإسفراييني عن أحمد من القول به فباطل عنه لا يصح البتةَ، وكل من حكاه عن أحمد فمستنده حكاية أبي حامد الإسفراييني أو من تلقَّاها عنه.
وأما الأثر الثاني، فإسناده ظلمات بعضها فوق بعض، حتى انتهى أمره إلى الكذاب إسحاق بن نَجيح المَلَطي١.
وأما الأثر الثالث، فالجارود بن يزيد قد ارتقى من حد الضعف إلى حد الترك٢.
والمقصود أن الآثار من الطرفين لا مُستراحَ فيها.
فصل
وأما قولكم: «إنه استثناء يرفع جملة الطلاق فلم يصحّ، كقوله: أنتِ طالق ثلاثًا إلا ثلاثًا»، فما أبردَها من حجة! فإن الاستثناء لم يرفع حكم الطلاق بعد وقوعه، وإنما منعَ من انعقاده٣ منجَّزًا، بل انعقد معلَّقًا، كقوله: «أنت طالق إن شاء فلان» فلم يشأ فلان؛ فإنها لا تطلُق، ولا يقال: إن هذا استثناء رفعَ جملةَ الطلاق.
(١) هذا من أوهام المؤلف، فالصواب أن المذكور في الإسناد «إسحاق بن أبي يحيى» كما سبق، ولكن المؤلف ذكره هناك باسم «إسحاق بن أبي نجيح»، وظنّه هنا «إسحاق بن نجيح الملطي»، وكلاهما خطأ. وترجمة الملطي في «الميزان» (١/ ٢٠٠).