إعلام الموقعين

فهذا تقرير الاحتجاج من الجانبين، ولا يخفى ما تضمَّنه من رجحان أحد القولين، والله أعلم.

فصل

وقد قدّمنا اختلاف الفقهاء في اشتراط نية الاستثناء وزمنها، وأن أضيقَ الأقوال قول من يشترط النية من أول الكلام، وأوسع منه قول من يشترطها قبل فراغه، وأوسع منه قول من يجوِّز إنشاءها بعد الفراغ من الكلام، كما يقوله أصحاب أحمد وغيرهم.

وأوسعُ منه قول من يجوِّزه بالقرب، ولا يشترط اتصاله بالكلام، كما نص عليه أحمد في رواية المرُّوذي فقال: حديث ابن عباس أن النبي ﷺ قال: «والله لأغزونَّ قريشًا، [١٦٠/أ] والله لأغزونَّ قريشًا، والله لأغزونَّ قريشًا» ثم سكت ثم قال: «إن شاء الله»١، إذا هو استثنى بالقرب، ولم يخلط كلامه بغيره.

وقال إسماعيل بن سعيد الشالنجي: سألتُ أحمد بن حنبل عن الاستثناء في اليمين، فقال: من استثنى بعد اليمين فهو جائز، على مثل فعل النبي ﷺ إذ قال «والله لأغزونَّ قريشًا» ثم سكت ثم قال: «إن شاء الله» ولم يطل ذلك. قال: ولا أقول فيه بقول هؤلاء، يعني من لم يرَ ذلك إلا متصلًا. هذا لفظ الشالنجي في «مسائله».

وأوسعُ من ذلك قول من قال: ينفعه الاستثناء ويصحُّ ما دام في

  1. (١) تقدم.
518

المجلس، نصَّ عليه الإمام أحمد في إحدى الروايات عنه، وهو قول الأوزاعي كما سنذكره.

وأوسعُ منه من وجهٍ قولُ من لا يشترط النية بحال، كما صرَّح به أصحاب أبي حنيفة. وقال صاحب «الذخيرة»١ في كتاب الطلاق في الفصل السادس عشر منه: ولو قال لها: «أنتِ طالق إن شاء الله» ولا يدري أي شيء «إن شاء الله» لا يقع الطلاق؛ لأن الطلاق مع الاستثناء ليس بإيقاع، فعلمه وجهلُه يكون سواء، ولو قال لها: «أنتِ طالق» فجرى على لسانه من غير قصد «إن شاء الله» وكان قصدُه إيقاع الطلاق لا يقع الطلاق؛ لأن الاستثناء قد وُجِد حقيقة، والكلام مع الاستثناء لا يكون إيقاعًا.

وقال الجُوزجاني في «مترجمه»٢: حدثني صفوان ثنا عمر قال: سئل الأوزاعي ﵁ عن رجل حلف: والله لأفعلنَّ كذا وكذا، ثم سكت ساعة لا يتكلَّم ولا يحدِّث نفسه بالاستثناء، فيقول له إنسان إلى جنبه: قلْ إن شاء الله، فقال: إن شاء الله، أيكفِّر يمينَه؟ فقال: أراه قد استثنى.

وبهذا الإسناد عن الأوزاعي أنه سئل عن رجل وصلَه قريبُه بدراهم فقال: والله لا آخذُها، فقال قريبه: والله لتأخذنَّها، فلما سمعه قال: «والله لتأخذنَّها» استثنى في نفسه فقال: إن شاء الله، وليس بين قوله «والله لا آخذها» وبين قوله «إن شاء الله» كلام إلا انتظاره ما يقول قريبه، أيكفِّر يمينَه إن هو أخذها؟ فقال: لم يحنث؛ لأنه قد استثنى.

  1. (١) «الذخيرة البرهانية» مخطوط، وانظر أصله «المحيط البرهاني» (٤/ ٤٩٥).
  2. (٢) سبق التعريف بهذا الكتاب والنقل عنه عند المؤلف.
519

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي