وهل من شرط الاستثناء أن يتكلَّم به، أو ينفع إذا كان في قلبه وإن لم يتلفَّظ به؟ فالمشهور من مذاهب الفقهاء أنه لا ينفعه حتى يتلفَّظ به، ونصَّ عليه١ أحمد فقال في رواية ابن منصور٢: لا يجوز له أن يستثني في نفسه حتى يتكلَّم به.
وقد قال أصحاب أحمد٣ وغيرهم: لو قال: «نسائي طوالق» واستثنى بقلبه «إلا فلانة» صحَّ استثناؤه، ولم تَطْلُق. ولو قال: «نسائي الأربع طوالق» واستثنى بقلبه «إلا فلانة» لم ينفعه. وفرّقوا بينهما بأن الأول ليس نصًّا في الأربع، فجاز تخصيصه بالنية، بخلاف الثاني.
ويلزمهم على هذا الفرق أن يصحَّ تقييده بالشرط بالنية؛ لأن غايته أنه تقييدُ مطلق؛ فعملُ النية فيه أولى من عملها في تخصيص العام؛ لأن العام متناول للأفراد وضعًا، والمطلق لا يتناول جميع الأحوال بالوضع، فتقييده بالنية أولى من تخصيص العام بالنية. وقد قال صاحب «المغني»٤ وغيره: إذا قال: «أنت طالق»، ونوى بقلبه من غير نطق: إن دخلت الدار أو بعد شهر، أنه يدين فيما بينه وبين الله تعالى. وهل يُقبل في الحكم؟ على روايتين، وقد قال الإمام أحمد في رواية إسحاق بن إبراهيم فيمن حلف لا يدخل الدار وقال: «نويت شهرًا»: قُبِل منه، أو قال: «إذا دخلت دار فلان فأنت طالق»
(١) «عليه» ليست في ك.
(٢) هو الكوسج، انظر: «مسائله» (١/ ٦٢٠).
(٣) انظر: «المغني» (١٠/ ٤٠١ - ٤٠٢).
(٤) (١٠/ ٤٠٢).
ونوى تلك الساعة أو ذلك اليوم قُبلت نيته. قال: والرواية الأخرى لا تُقبل؛ فإنه قال: إذا قال لامرأته: [«أنت طالق»]١، ونوى في نفسه «إلى سنةٍ» تطلَّق، ليس ينظر إلى نيته. وقال: إذا قال: «أنت طالق» وقال: نويت إن دخلت الدار، لا يصدَّق.
قال الشيخ٢: ويمكن أن يُجمع بين هاتين الروايتين بأن يُحمل قوله في القبول على أنه يدين، وقوله في عدم القبول على الحكم؛ فلا يكون بينهما اختلاف.
قال: والفرق بين هذه الصورة والتي قبلها ــ يعني مسألة «نسائي طَوالق» وأراد بعضهن ــ أن إرادة الخاص بالعام شائع كثير، وإرادة الشرط من غير ذكره غير شائع، وهو قريب من الاستثناء، ويمكن أن يقال: هذا كلُّه من جملة التخصيص. انتهى كلامه.
وقد تضمَّن أن الحالف إذا أراد الشرط دُيِّن وقُبِل في الحكم في إحدى الروايتين، ولا يفرِّق فقيه ولا محصِّلٌ بين الشرط بمشيئة الله حيث يصح وينفع وبين غيره من الشروط، وقد قال الإمام أحمد في رواية حرب٣: إن كان مظلومًا فاستثنى في نفسه رجوتُ أنه يجوز إذا خاف على نفسه. ولم ينصَّ على خلاف هذا في المظلوم، وإنما٤ أطلق القول، وخاصُّ كلامِه ومقيَّده يقضي على مطلقه وعامّه؛ فهذا مذهبه.
(١) ما بين المعكوفتين ليس في النسخ، وهو في «المغني».