عمر ﵁ لرجل بعثه بمال إلى أبي عبيدة ثم قال للرسول: «تَلَهَّ عنه ثم انظُرْ ماذا يصنع به»١. ومنه قول كعب بن زهير٢:
وقال كلُّ صديقٍ كنتُ آمُلُهلا أُلهِينَّك إنّي عنك مشغول
أي لا أَشْغَلُك عن شأنك وأمرك. وفي «المسند»٣: «سألتُ ربّي أن لا يعذِّب اللاهينَ من أمتي»، وهم البُلْه الغافلون الذين لم يتعمَّدوا الذنوب، وقيل: هم الأطفال الذين لم يقترِفوا ذنبًا.
فصل
وأما الناسي فهو ضربان: ناسٍ لليمين، وناسٍ للمحلوف عليه. فالأول ظاهر، والثاني: كما إذا حلف على شيء ففعله وهو ذاكر ليمينه، لكن نسي أن
(١) ذكره ابن الأثير في «النهاية» (٤/ ٢٨٣).
(٢) في قصيدته المشهورة ضمن «ديوانه» (ص ١٩). وفيه: «لا أُلْفِينَّك». وبرواية المؤلف في «النهاية» (٤/ ٢٨٣) وعنه في «لسان العرب» (لها).
(٣) لم أجده في «مسند أحمد»، ورواه أبو يعلى (٣٥٧٠، ٣٦٣٦، ٤١٠١، ٤١٠٢) والبغوي في «الجعديات» (٢٩٠٦) وابن بشران في «الأمالي» (١٥٦١) والضياء في «المختارة» (٢٦٣٩) من طريقين عن أنس. وضعَّفه ابن الجوزي في «العلل المتناهية» (٢/ ٤٤) والمؤلف في «طريق الهجرتين» (ص ٨٦٠)، وحسّنه الألباني في «الصحيحة» (١٨٨١).
هذا هو المحلوف عليه بعينه، وهذا كما لو حلف لا يأكل طعام كذا وكذا، فأُنْسِيَه، ثم أكله وهو ذاكرٌ ليمينه، ثم ذكر أن هذا هو الذي حلف عليه؛ فهذا إن كان يعتقد أنه غير المحلوف عليه ثم بان [١٦١/أ] أنه هو فهو خطأ. وإن لم يخطر بباله كونُه المحلوفَ عليه ولا غيرَه فهو نسيان.
والفرق بين الجاهل بالمحلوف عليه والمخطئ أن الجاهل قصد الفعل ولم يظنَّه المحلوفَ عليه، والمخطئ لم يقصده، كما لو رمى طائرًا فأصاب إنسانًا.
والمُكْرَه نوعان: أحدهما: له فعل اختياري لكن محمول عليه، والثاني: مُلْجَأٌ لا فعَلَ له، بل هو آلة محضة.
والمتأوّل كمن يحلف أنه لا يكلِّم زيدًا وكاتبُه يعتقد أن مكاتبته ليست تكلُّمًا، وكمن يحلف أنه لا يشرب خمرًا فشرب نبيذًا مختلَفًا فيه متأولًا، وكمن حلَف لا يُرابِي فباع بالعِينة، أو لا يطأ فرجًا حرامًا فوطئ في نكاح تحليلٍ مختلفٍ فيه، ونحو ذلك. والتأويل ثلاث درجات: قريب وبعيد ومتوسط، ولا تنحصر أفراده.
والمعتقد أنه لا يحنث بفعله تقليدًا سواء كان المفتي مصيبًا أو مخطئًا، كمن قال لامرأته: إن خرجتِ من بيتي فأنت طالق، أو الطلاق يلزمني لا تخرجين من بيتي، فأفتاه مفتٍ بأن هذه اليمين لا يلزم بها الطلاق بناءً على أن الطلاق المعلَّق لغوٌ كما يقوله بعض أصحاب الشافعي كأبي عبد الرحمن الشافعي وبعض أهل الظاهر كما صرَّح به صاحب «المحلى»، فقال١: