إعلام الموقعين

والطلاق بالصفة عندنا كالطلاق باليمين كل ذلك لا يلزم.

والمغلوب على عقله كمن يفعل المحلوف عليه في حال سُكْر أو جنون أو زوالِ عقلٍ بشرب دواء أو بَنْج أو غضب شديد ونحو ذلك.

والذي يظن أن امرأته طلُقت فيفعل المحلوف عليه بناءً على أنه لا يؤثِّر في الحنث، كما إذا قال: إن كلَّمتِ فلانًا فأنتِ طالق ثلاثًا، ثم قال: إن فعلتُ كذا فامرأتي طالق ثلاثًا، فقيل له: إن امرأتك قد كلَّمتْ فلانًا، فاعتقد صدقَ القائل وأنها قد بانت منه، ففعل المحلوف عليه بناءً على أن العصمة قد انقطعت، ثم بان له أن المخبر كاذب.

وكذلك لو قيل له: قد كلَّمتْ فلانًا، فقال: طلُقتْ مني ثلاثًا، ثم بان أنها لم تكلِّمه. ومثل ذلك لو قيل له: إن امرأتك قد مُسِكَتْ تشرب الخمر مع فلان، فقال: هي طالق ثلاثًا، ثم ظهر كذبُ المخبر، وأن ذلك لم يكن منه شيء. فاختلف الفقهاء في ذلك اختلافًا لا ينضبط.

فنذكر أقوال من أفتى بعدم الحنث في ذلك؛ إذ هو الصواب بلا ريب، وعليه تدل الأدلة الشرعية ألفاظها وأقيستها واعتبارها، وهو مقتضى قواعد الشريعة؛ فإن البر والحنث في اليمين نظير الطاعة١ والمعصية في الأمر والنهي، ولو فعل المكلَّف ذلك في أمر الشارع ونهيه لم يكن عاصيًا، فأولى في باب اليمين أن لا يكون حانثًا.

يوضِّحه أنه إنما عقد يمينه على فعلِ ما يملكه، والنسيان والجهل والخطأ والإكراه غير داخل تحت قدرته، فما فعله في تلك الأحوال لم

  1. (١) ك، ب: «الإطاعة».
527

يتناوله يمينه، ولم يقصد منع نفسه منه.

يوضِّحه أن الله سبحانه قد رفع١ المؤاخذة عن المخطئ والناسي والمكره، فإلزامه بالحنث أعظمُ مؤاخذةً لما تجاوز الله عن المؤاخذة به، كما أنه سبحانه لما تجاوز للأمة عما حدَّثتْ به أنفسها [١٦٢/أ] لم تتعلق به المؤاخذة في الأحكام.

يوضِّحه أن فعل الناسي والمخطئ بمنزلة فعل النائم في عدم التكليف به، ولهذا هو عفْوٌ لا يكون به مطيعًا ولا عاصيًا.

يوضِّحه أن الله سبحانه إنما رتّب الأحكام على الألفاظ؛ لدلاتها على قصدِ المتكلم بها وإرادتِه، فإذا تيقَّنَّا أنه قصد كلامها، ولم يقصد معانيها، ولم يقصد مخالفة ما التزمه ولا الحنث، فإن الشارع لا يُلزِمه بما لم يقصده، بل قد رفع المؤاخذة عنه بما لم يقصده من ذلك.

يوضِّحه أن اللفظ دليل على القصد، فاعتُبِر لدلالته عليه، فإذا علمنا يقينًا خلافَ المدلول لم يجزْ أن نجعله دليلًا على ما تيقّنا خلافه.

وقد رفع الله المؤاخذة عن قتل المسلم المعصوم بيده مباشرةً إذا لم يقصد قتله بل قتله خطأً، ولم يُلزِمه شيئًا من ديته، بل حمَّلها غيرَه، فكيف يؤاخذه بالخطأ والنسيان في باب الأيمان؟ هذا من الممتنع على الشارع.

وقد رفع النبي ﷺ المؤاخذة عمن أكل أو شرب في نهار رمضان ناسيًا لصومه٢، مع أن أكله وشربه فعلٌ لا يمكن تداركُه، فكيف يؤاخِذه بفعل

  1. (١) ك: «دفع».
  2. (٢) كما في حديث أبي هريرة الذي رواه البخاري (١٩٣٣) ومسلم (١١٥٥).
528

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي