ولم يؤاخذ النبي ﷺ عمر بن الخطاب ﵁ حين رمى حاطب بن أبي بَلْتَعة المؤمن البدريَّ بالنفاق لأجل التأويل١. ولم يؤاخذ أُسَيد بن حُضَير بقوله لسعد سيد الخزرج: «إنك منافق تُجادِل عن المنافقين» لأجل التأويل٢. ولم يؤاخذ من قال عن مالك بن الدُّخْشُم: «ذاك منافقٌ، نرى وجهَه٣ وحديثَه إلى المنافقين» لأجل التأويل٤. ولم يؤاخذ عمرَ بن الخطاب ﵁ حين ضرب صدر أبي هريرة حتى وقع على الأرض، وقد ذهب للتبليغ عن رسول الله ﷺ بأمره، فمنعه عمر وضربه وقال: «ارجِعْ»، وأقرَّه رسول الله ﷺ على فعله، ولم يؤاخذه لأجل التأويل٥.
وكما رفع مؤاخذة التأثيم في هذه الأمور وغيرها رفع مؤاخذة الضمان في الأموال والقضاء في العبادات، فلا يحلُّ لأحدٍ أن يفرِّق بين رجل وامرأته لأمرٍ يخالف مذهبه وقوله الذي قلّد فيه بغير حجة إذا كان الرجل قد تأوَّل وقلَّد من أفتاه بعدم الحنث، ولا يحلُّ له أن يحكم عليه بأنه حانثٌ في حكم الله ورسوله، ولم يتعمَّد الحنث، بل هذا فِريةٌ على الله ورسوله وعلى الحالف، وإذا وصل الهوى إلى هذا الحدّ فصاحبه تحت الدرك، وله مقامٌ وأيُّ مقامٍ بين يدي الله يومَ لا ينفعه شيخه ولا مذهبه ومن قلَّده، والله المستعان.
(١) روى هذه القصة البخاري (٣٠٠٧ ومواضع أخرى) ومسلم (٢٤٩٤) من حديث علي بن أبي طالب ﵁.
(٢) رواه البخاري (٢٦٦١، ٤١٤١، ٤٧٥٠) ومسلم (٢٧٧٠) من حديث عائشة ﵂ الطويل في قصة الإفك.
(٣) عند البخاري: «وُدَّه».
(٤) رواه البخاري (١١٨٦) من حديث عتبان بن مالك.
(٥) رواه مسلم (٣١) من حديث أبي هريرة ﵁ ضمن قصة.
وإذا قال الرجل لامرأته: «أنتِ طالق ثلاثًا لأجل كلامكِ لزيد وخروجكِ من بيتي» فبانَ أنها لم تكلِّمه ولم تخرج من بيته= لم تَطْلُق، صرَّح به الأصحاب. قال ابن أبي موسى في «الإرشاد»١: فإن قال: «أنتِ طالق أن دخلتِ الدار» بنصب الألف، والحالف من أهل اللسان، فإن كان تقدَّم لها دخولٌ إلى تلك الدار قبل اليمين طلُقتْ في الحال؛ لأن ذلك للماضي من الفعل دون المستقبل، وإن كانت لم تدخلها قبل اليمين بحال لم تَطْلُقْ، وإن دخلت الدار بعد اليمين، إذا كان الحالف قصدَ بيمينه الفعلَ الماضي دون المستقبل، لأنّ ذلك يَعني: إن كنتِ دخلتِ الدار فأنتِ طالق. وإن كان الحالف جاهلًا باللسان. [١٦٤/أ] وإنما أراد باليمين الدخول المستقبل، فمتى دخلت الدار بعد اليمين طلقتْ بما حلف به قولًا واحدًا. وإن كان تقدَّم لها دخول الدار قبل اليمين فهل يحنث بالدخول الماضي أم لا؟ على وجهين أصحهما لا يحنَث.
والمقصود أنه إذا٢ عُلِّل الطلاق بعلة ثم تبيَّن انتفاؤها فمذهب أحمد أنه لا يقع به الطلاق، وعند شيخنا٣ لا يشترط ذِكْره التعليلَ بلفظه، ولا فرقَ عنده بين أن يطلِّقها لعلة مذكورة في اللفظ أو غير مذكورة، فإذا تبيَّن انتفاؤها لم يقع به الطلاق. وهذا هو الذي لا يليق بالمذهب غيره، ولا تقتضي قواعد الأئمة غيره. فإذا قيل له: امرأتك قد شربتْ مع فلان وباتَتْ عنده، فقال: اشهدوا عليَّ أنها طالق ثلاثًا، ثم علم أنها كانت تلك الليلة في بيتها قائمةً