وقد قال مالك في كثير من أجوبته: أكره كذا، وهو حرام. فمنها: أن مالكًا نصَّ على كراهة الشِّطْرَنج١. وهذا عند أكثر أصحابه على التحريم، وحمله بعضهم على الكراهة التي هي دون التحريم٢.
وكذلك قال الشافعي في اللَّعِب بالشِّطْرنج: إنه لَهْوٌ شبهُ الباطل، أكرهه ولا يتبيَّن لي تحريمه٣. فقد نصَّ على كراهته، وتوقَّف في تحريمه. فلا يجوز أن يُنسَب إليه وإلى مذهبه أنَّ اللعب بها جائز، وأنه مباح؛ فإنه لم يقل هذا ولا ما يدلُّ عليه. والحقُّ أن يقال: إنه كرِهَها، وتوقَّف في تحريمها. فأين هذا من أن يقال: إن مذهبه جواز اللعب بها وإباحته؟٤.
ومن هذا أيضًا: أنه نصَّ على كراهة تزوُّج الرجلِ بنتَه المخلوقةَ من ماء الزنا٥، ولم يقل قطُّ: إنه مباح ولا جائز. والذي يليق بجلالته وإمامته ومنصبه الذي أحلَّه الله به من الدين أن هذه الكراهة منه على وجه التحريم، وأطلق لفظَ الكراهة لأن الحرام يكرهه الله ورسوله٦.
وقد قال تعالى عقيب ذكر ما حرَّمه من المحرَّمات من عند قوله:
(٣) لفظ الشافعي في "الأم" (٦/ ٢٢٤): "ولا نحب اللعب بالشطرنج، وهو أخفّ من النرد". وانظر: "السنن الكبير" للبيهقي (١٠/ ٣٥٧).
(٤) وانظر: "الفروسية" للمصنف (ص ٢٤٣).
(٥) انظر: "المجموع شرح المهذب" (١٦/ ٢٢٢).
(٦) وانظر: "مجموع الفتاوى" (٣٢/ ١٤٢).
﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ﴾ إلى قوله: ﴿فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلَا تَنْهَرْهُمَا﴾ إلى قوله: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلَاقٍ﴾ إلى قوله: ﴿وَلَا تَقْرَبُوا الزِّنَا﴾ إلى قوله: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ﴾ إلى قوله: ﴿وَلَا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ﴾ إلى قوله: ﴿وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ﴾ إلى آخر الآيات. ثم قال: ﴿كُلُّ ذَلِكَ كَانَ سَيِّئُهُ عِنْدَ رَبِّكَ مَكْرُوهًا﴾[الإسراء: ٢٣ - ٣٨].
[٢٣/أ] وفي "الصحيح"١: "إنَّ الله ﷿ كرِه لكم قيلَ وقال، وكثرةَ السؤال، وإضاعةَ المال".
فالسلف كانوا يستعملون "الكراهة" في معناها الذي استُعملت فيه في كلام الله ورسوله، ولكن المتأخرون اصطلحوا على تخصيص الكراهة بما ليس بمحرَّم، وتركُه أرجح من فعله. ثم حمَل مَن حمَل منهم كلامَ الأئمة على الاصطلاح الحادث، فغلِط٢ في ذلك.
وأقبَحُ غلطًا منه مَن حمل لفظ الكراهة أو لفظ "لا ينبغي" في كلام الله ورسوله على المعنى الاصطلاحي الحادث. وقد اطَّرَد في كلام الله ورسوله استعمال "لا ينبغي" في المحظور شرعًا أو قدرًا، وفي المستحيل الممتنع٣، كقوله تعالى: ﴿وَمَا يَنْبَغِي لِلرَّحْمَنِ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَدًا﴾[مريم: ٩٢] وقوله: ﴿وَمَا عَلَّمْنَاهُ الشِّعْرَ وَمَا يَنْبَغِي لَهُ﴾[يس: ٦٩] وقوله: ﴿وَمَا تَنَزَّلَتْ بِهِ الشَّيَاطِينُ ٢١٠ وَمَا يَنْبَغِي لَهُمْ﴾[الشعراء: ٢١٠ - ٢١١]. وقوله على لسان نبيه: "كذَّبني ابنُ آدم
(١) أخرجه البخاري (١٤٧٧) ومسلم (٥٩٣) من حديث المغيرة بن شعبة.
(٢) ح: "فغلطوا".
(٣) وقال نحوه في "الداء والدواء" (ص ٣٠٩) و"بدائع الفوائد" (٤/ ١٣٠٧).