إعلام الموقعين

يقع به طلاق إذا١ حنِث، وهذا إذا أخرجه بصيغة الالتزام، كقوله: «الطلاق يلزمني، أو [١٦٥/ب] لازمٌ لي، أو ثابت عليَّ، أو حقٌّ عليَّ، أو متعينٌ عليَّ أو واجبٌ عليَّ إن فعلتُ، أو إن لم أفعلْ». وهذا مذهب أبي حنيفة، وبه أفتى جماعة من مشايخ مذهبه، وبه أفتى القفَّال في قوله: «الطلاق يلزمني». ونحن نذكر كلامهم بحروفه.

قال صاحب «الذخيرة»٢ من الحنفية: لو قال لها: «طلاقكِ عليَّ واجب، أو لازم، أو فرض، أو ثابت»، ذكر أبو الليث خلافًا بين المتأخرين؛ فمنهم من قال: يقع واحدة رجعية نوى أو لم ينوِ، ومنهم من قال: لا يقع نوى أو لم ينوِ، ومنهم من قال: في قوله: «واجب» يقع بدون النية، وفي قوله: «لازم» لا يقع وإن نوى. وعلى هذا الخلاف إذا قال: «إن فعلتِ كذا فطلاقكِ عليّ واجب، أو قال: لازم، أو ثابت» ففعلتْ. وذكر القدوري في «شرحه» أن على قول أبي حنيفة لا يقع الطلاق في الكلّ، وعند أبي يوسف إن نوى الطلاق يقع في الكلّ، وعن محمد أنه يقع في قوله «لازم» ولا يقع في قوله «واجب». ثم ذكر من اختار من المشايخ الوقوعَ ومن اختار عدمه، فقال: وكان الإمام ظهير الدين المرغيناني يفتي بعدم الوقوع في الكل.

وقال القفال في «فتاويه»: إذا قال: «الطلاق يلزمني» فليس بصريح ولا كناية، حتى لا يقع به وإن نواه. ولهذا القول مأخذان:

أحدهما: أن الطلاق لا بدّ فيه من الإضافة إلى المرأة، ولم تتحقق الإضافة هاهنا، ولهذا لو قال: «أنا منك طالق» لم تطلُق، ولو قال لها: «طلِّقي

  1. (١) في المطبوع: «ولا».
  2. (٢) انظر «المحيط البرهاني» (٤/ ٣٩٥).
544

نفسكِ» فقالت: «أنت طالق» لم تَطْلُق.

والمأخذ الثاني ــ وهو مأخذ أصحاب أبي حنيفة ــ: أنه التزام بحكم الطلاق، وحكمه لا يلزمه إلا بعد وقوعه، وكأنه قال: «فعليَّ أن أطلِّقك»، وهو لو صرح بهذا لم تطلُق بغير خلاف؛ فهكذا المصدر.

وسرُّ المسألة أن ذلك التزام لأن يطلِّق أو التزامٌ لطلاق واقع؛ فإن كان الالتزام لأن يطلِّق لم تطلُق، وإن كان التزامًا لطلاق واقع فكأنه قال: «إن فعلتِ كذا فأنت طالق طلاقًا يلزمني» طلُقت إذا وُجد الشرط. ولمن رجَّح هذا أن يحيل فيه على العرف؛ فإن الحالف لا يقصد إلا هذا، ولا يقصد التزام التطليق، وعلى هذا فيظهر أن يقال: إن نوى بذلك التزام التطليق لم تطلُق، وإن نوى وقوع الطلاق طلُقت، وهذا قول أبي يوسف وقول جمهور أصحاب الشافعي. ومن جعله صريحًا في وقوع الطلاق حكَّم فيه العرفَ وغلبةَ استعمال هذا اللفظ في وقوع الطلاق، وهذا قول أبي المحاسن الروياني. والوجوه الثلاثة في مذهب الشافعي، حكاها شارح «التنبيه» وغيره.

وفي المسألة قولان آخران، وهما للحنفية:

أحدهما: أنه إن قال: «فالطلاق عليَّ واجب» يقع، نواه أو لم ينوه، وإن قال: «فالطلاق لي لازم» لا يقع، نواه أو لم ينوِه. ووجه هذا الفرق أن قوله «لازم» التزام لأن يطلِّق؛ فلا تطلُق بذلك، وقوله «واجب» إخبار عن وجوبه عليه، ولا يكون واجبًا إلا وقد وقع. ولمن سوَّى بينهما أن يقول: هو إيجابٌ للتطليق، أو إخبار عن وقوع الطلاق، ولا ريبَ أن [١٦٦/أ] اللفظ محتمل لهما كاحتمال قوله: «الطلاق يلزمني» سواء. وهذا هو الصواب، والفرق تحكُّم.

545

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي