إعلام الموقعين

قال بعض فقهاء المالكية وأهل الظاهر: ولا يُعرف لعليٍّ في ذلك مخالف من الصحابة. هذا لفظ أبي القاسم التميمي في «شرح أحكام عبد الحق»١، وقاله قبله أبو محمد ابن حزم٢. وصح ذلك عن طاوس أجلِّ أصحاب ابن عباس [١٦٦/ب] وأفقهِهم على الإطلاق.

قال عبد الرزاق في «مصنفه»٣: أخبرنا ابن جريج قال: أخبرني ابن طاوس عن أبيه أنه كان يقول: الحلف بالطلاق ليس شيئًا. قلت: أكان يراه يمينًا؟ قال: لا أدري.

وهذا أصحُّ إسنادٍ عمن هو من أجلِّ التابعين وأفقهِهم، وقد وافقه أكثر من أربعمائة عالم ممن بنى فقهه على نصوص الكتاب والسنة دون القياس، ومن آخرهم أبو محمد بن حزم، قال في كتابه «المحلى»٤: مسألة: واليمين بالطلاق لا يلزم، سواء برَّ أو حنِثَ، لا يقع به طلاق، ولا طلاقَ إلا كما أمر الله ﷿، ولا يمينَ إلا كما شرع الله ﷿ على لسان رسوله. ثم قرّر ذلك، وساق اختلاف الناس في ذلك، ثم قال٥: فهؤلاء علي بن أبي طالب وشُريح وطاوس لا يقضون بالطلاق على من حلف به فحنث، ولا يُعرف لعلي في ذلك٦ مخالفٌ من الصحابة ﵃.

  1. (١) تقدم التعريف بالكتاب والمؤلف.
  2. (٢) في «المحلى» (١٠/ ٢١٢).
  3. (٣) رقم (١١٢٩٨).
  4. (٤) (١٠/ ٢١١).
  5. (٥) (١٠/ ٢١٣).
  6. (٦) ز: «في ذلك لعلي».
548

قلت: أما أثر علي فرواه حماد بن سلمة١ عن حميد عن الحسن أن رجلًا تزوَّج امرأة، وأراد سفرًا، فأخذه أهل امرأته، فجعلها طالقًا إن لم يبعث بنفقتها إلى شهر، فجاء الأجل، ولم يبعث إليها بشيء، فلما قدم خاصموه إلى علي، فقال علي ﵁: اضطهدتموه حتى جعلها طالقًا، فردَّها عليه.

ولا متعلَّق لهم بقوله «اضطهدتموه» لأنه لم يكن هناك إكراه، فإنهم إنما طالبوه بحق نفقتها فقط، ومعلومٌ أن ذلك ليس بإكراه على الطلاق ولا على اليمين، وليس في القصة أنهم أكرهوه بالقتل أو بالضرب أو بالحبس وأخذ المال على اليمين حتى يكون يمينَ مُكْرَه، والسائلون لم يقولوا لعلي شيئًا من ذلك البتة، وإنما خاصموه في حكم اليمين فقط، فنزَّل علي ﵁ ذلك منزلةَ المضطهد حيث لم يُرِد طلاق امرأته، وإنما أراد التخلُّص إلى سفره بالحلف، فالحالف والمضطهد كل منهما لم يُرِد طلاق امرأته، فالمضطهد محمول على الطلاق تكلَّم به ليتخلَّص من ضرر الإكراه، والحالف حلف به ليتوصَّل إلى غرضه من الحضّ أو المنع أو التصديق أو التكذيب، ولو اختلف حال الحالف بين أن يكون مكرهًا أو مختارًا لسأله علي ﵁ عن الإكراه وشروطه وحقيقته، وبأيِّ شيء أُكرِه، وهذا ظاهر بحمد الله، فارضَ للمقلِّد بما رضي لنفسه.

وأما أثر شُريح ففي «مصنف عبد الرزاق»٢ عن هشام بن حسّان عن محمد بن سيرين عن شريح أنه خوصم إليه في رجل طلَّق امرأته إن أحدث

  1. (١) ومن طريقه ابن حزم في «المحلى» (١٠/ ٢١٢). وتقدم هذا الأثر.
  2. (٢) رقم (١١٣٢٢). وفيه: «عن هشيم»، خطأ. وما عند المؤلف موافق لما في «المحلى» (١٠/ ٢١٢). وقد تقدم هذا الأثر.
549

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي