إعلام الموقعين

سبيل إلى دفعه، فكيف يجوز معارضتها١ بدعوى إجماع قد عُلم بطلانه قطعًا؟ فليس بأيدي الموقعين آية من كتاب الله ولا أثرٌ عن رسول الله ولا عن أصحابه ولا قياس صحيح. والقائلون بعدم الوقوع لو لم يكن معهم إلا الاستصحاب الذي لا يجوز الانتقال عنه إلا لما هو أقوى منه لكان كافيًا، فكيف ومعهم الأقيسة التي أكثرها من باب قياس الأَولى؟ والباقي من القياس المساوي، وهو قياس النظير على نظيره، والآثار والعمومات والمعاني الصحيحة والحِكَم والمناسبات التي شهد لها الشرع بالاعتبار ما٢ لم يدفعهم منازعوهم عنه بحجة أصلًا؟

وقولهم وسطٌ بين قولين متباينين غايةَ التباين:

أحدهما: قول من يعتبر التعليق فيُوقِع به الطلاقَ على كل حال، سواء كان تعليقًا قسميًّا يقصد به الحالف منع الشرط والجزاء أو تعليقًا شرطيًّا يقصد به حصول الجزاء عند حصول الشرط.

والثاني قول من يقول: [١٦٧/ب] إن هذا التعليق كله لغوٌ٣ لا يصح بوجهٍ مَّا، ولا يقع الطلاق به البتةَ، كما سنذكره في المخرج الذي بعد هذا إن شاء الله.

فهؤلاء توسَّطوا بين الفريقين، وقالوا: يقع الطلاق في صورة التعليق المقصود به وقوع الجزاء، ولا يقع في صورة التعليق القسمي، وحجتهم

  1. (١) ك، ب: «معارضته».
  2. (٢) ك، ب: «وما».
  3. (٣) ك، ب: «لغو كله».
552

قائمة على الفريقين، وليس لأحدٍ منهما حجة صحيحة عليهم، بل كلُّ حجة صحيحة احتج بها الموقعون فإنما تدلُّ على الوقوع في صورة التعليق المقصود، وكلُّ حجة احتج بها المانعون صحيحة فإنما تدلُّ على عدم الوقوع في صورة التعليق القسمي، فهم قائلون بمجموع حجج الطائفتين، وجامعون للحق الذي مع الفريقين، ومعارضون قولَ كلٍّ من الفريقين وحججَهم بقول الفريق الآخر وحججِهم.

فصل

المخرج التاسع: أخْذُه بقول من يقول: إن الطلاق المعلَّق بالشرط لا يقع، ولا يصح تعليق الطلاق كما لا يصح تعليق النكاح. وهذا اختيار أبي عبد الرحمن أحمد بن يحيى بن عبد العزيز الشافعي أحد أصحاب الشافعي الجِلَّة أو أجلّهم، وكان الشافعي يُكرِمه ويُجِلُّه ويَكْنِيه ويعظِّمه وأبا ثورٍ، وكانا يكرمانه، وكان بصره ضعيفًا، فكان الشافعي يقول: لا تدفعوا إلى أبي عبد الرحمن الكتابَ يعارض به فإنه يخطئ١. وذكره أبو إسحاق الشيرازي في طبقات أصحاب الشافعي٢، ومحلُّ الرجل من العلم والتضلُّع٣ منه لا يُدفَع، وهو في العلم بمنزلة أبي ثور وتلك الطبقة، وكان رفيقَ أبي ثور، وهو أجلُّ من جميع أصحاب الوجوه من المنتسبين إلى الشافعي، فإذا نُزِلَ بطبقته إلى طبقة أصحاب الوجوه كان قوله وجهًا، وهو أقلُّ درجاته.

وهذا مذهب لم ينفرد به، بل قد قال به غيره من أهل العلم، قال أبو

  1. (١) انظر: «تاريخ بغداد» (٥/ ٢٠٠).
  2. (٢) من كتابه «طبقات الفقهاء» (ص ١٠٢).
  3. (٣) في النسخ: «والتظلع»، خطأ.
553

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي