الثاني: السبب المثير لليمين يُتعرَّف١ منه، ويعبَّر عنه بالبِساط أيضًا، وذلك أن القاصد لليمين لا بدَّ أن تكون له نية، وإنما يذكرها في بعض الأوقات وينساها في بعضها؛ فيكون المحرِّك على اليمين ــ وهو البِساط ــ دليلًا عليها، لكن قد يظهر مقتضى المحرّك ظهورًا لا إشكالَ فيه، وقد يخفى في بعض الحالات، وقد يكون ظهوره وخفاؤه بالإضافة.
وكذلك أصحاب الإمام أحمد صرَّحوا باعتبار النية وحَمْل اليمين على مقتضاها، فإن عُدِمَتْ رُجِعَ إلى سبب اليمين وما هيَّجها، فحُمِل اللفظ عليه؛ لأنه دليلٌ على النية.
حتى صرح أصحاب مالك٢ فيمن دفن مالًا ونسيَ مكانه فبحث عنه فلم يجده، فحلفَ على زوجته أنها هي التي أخذتْه، ثم وجده، لم يحنثْ. قالوا: لأن قصْدَه ونيتَه إنما هو إن كان المال قد ذهب فأنتِ التي أخذتِه. فتأمَّلْ كيف جعلوا القصد والنية في قوة الشرط، وهذا هو محض الفقه.
ونظير هذا ما لو دُعِي إلى طعام فظنَّه حرامًا فحلف لا أطعمه، ثم ظهر أنه حلالٌ لا شبهةَ فيه، فإنه لا يحنث بأكله؛ لأن يمينه إنما تعلَّقتْ به إن كان حرامًا، وذلك قصده.
ومثله لو مرَّ به رجل فسلَّم عليه، فحلف لا يردُّ ﵇ لظنِّه أنه مبتدع أو ظالم أو فاجر، فظهر أنه غير ذلك الذي ظنَّه، لم يحنث بالردِّ عليه.
(١) في «عقد الجواهر»: «لتُعرف».
(٢) انظر المصدر السابق (١/ ٥٣١).
ومثله لو قدِّمت له دابةٌ ليركبها، فظنَّها قَطُوفًا١ أو جَمُوحًا٢ أو متعسِّرة الركوب فحلف لا يركبها، فظهرتْ بخلاف ذلك، لم يحنث بركوبها.
وقال أبو القاسم الخرقي في «مختصره»٣: ويُرجَع في الأيمان إلى النية؛ فإن لم ينوِ شيئًا رجع إلى سبب اليمين وما هيَّجها.
وقال أصحاب الإمام أحمد: إذا دُعِي إلى غداء فحلف أن لا يتغدَّى، أو قيل له٤ اقعد فحلف أن لا يقعد، اختصَّتْ يمينُه بذلك الغداء وبالقعود في ذلك الوقت؛ لأن عاقلًا لا يقصد أن لا يتغدَّى أبدًا ولا يقعد أبدًا.
ثم قال صاحب «المغني»٥: إن كان له نية فيمينه على ما نوى، وإن لم تكن له نية فكلام أحمد يقتضي روايتين؛ إحداهما: أن اليمين محمولة على العموم؛ لأن أحمد سُئل عن رجل حلف أن لا يدخل بلدًا لظلمٍ رآه فيه فزال الظلم، قال أحمد: النذر يُوفي به، يعني لا يدخله. ووجهُ ذلك أن لفظ الشارع إذا كان عامًّا لسبب خاصٍّ وجبَ الأخذُ بعموم اللفظ دون خصوص السبب، كذلك يمين الحالف.
ونازعه في ذلك شيخنا، فقال٦: إنما منعه أحمد من دخول البلد بعد
(١) من قَطَفَت الدابة: أبطأتْ.
(٢) من جَمَح، أي: عَتَتْ عن أمر صاحبها حتى غلبتْه.