قيل: نعم هذان طريقان، ولكن إذا أحكم سدّهما غاية الإحكام، ولم يُمكِنْه سلوكُ أحدهما، وأيَّهما سلكَ ترتَّب عليه غاية الضرر في دينه ودنياه= لم يحرم عليه ــ والحالة هذه ــ سلوكُ طريق الخلع، وتعيَّن في حقِّه طريقان: إما طريق الخلع، وإما سلوك طريق أرباب اللعنة.
وهذه المواضع وأمثالها لا تحتملها إلا العقول الواسعة التي لها٢ إشراف على أسرار الشريعة ومقاصدها وحِكَمها، وأما عقلٌ لا يتسع لغير تقليد من اتفق له تقليده وترك أقوال جميع أهل العلم لقوله فليس الكلام معه.
الوجه التاسع: أن غاية ما منع المانعين من صحة هذا الخلع أنه حيلة، والحيل باطلة؛ ومنازعوهم ينازعونهم في كلتا المقدمتين، فيقولون: الاعتبار في العقود بصورها دون نيّاتها ومقاصدها، فليس لنا أن نسأل الزوج إذا أراد خلْعَ امرأته: ما أردتَ بالخلع؟ وما السبب الذي حملَك عليه؟ هل هو المشاقَّة أو التخلُّص من اليمين؟ بل نُجرِي حكم التخالع على ظاهره، ونَكِلُ سرائر الزوجين إلى الله.
قالوا: ولو ظهر لنا قصد الحيلة فالشأن في المقدمة الثانية، فليس كل حيلةٍ باطلةٌ محرَّمة، وهل هذا الفصل الطويل الذي نحن فيه إلا في أقسام [١٧١/ب] الحيل؟ والحيلة المحرَّمة الباطلة هي التي تتضمَّن تحليل ما حرَّمه
(١) في «المحلَّى» (١٠/ ٢١٣).
(٢) ز: «لا لها».
الله أو تحريمَ ما أحلَّه الله أو إسقاطَ ما أوجبه؟ وأما حيلة تتضمَّن الخلاصَ من الآصار والأغلال والتخلُّصَ من لعنة الكبير المتعال فأهلًا بها من حيلةٍ وبأمثالها، ﴿وَاللَّهُ يَعْلَمُ الْمُفْسِدَ مِنَ الْمُصْلِحِ﴾[البقرة: ٢٢٠]، والمقصود تنفيذ أمر الله ورسوله بحسب الإمكان، والله المستعان.
الوجه العاشر: أنه ليس القول ببطلان خلع اليمين أولى من القول بلزوم الطلاق للحالف به غير القاصد له، فهلُمَّ نُحاكمكم إلى كتاب الله وسنة رسوله وأقوال أصحابه وقواعد الشريعة، وإذا وقع التحاكم تبيَّن أن القول بعدم لزوم الطلاق للحالف به أقوى أدلةً، وأصح أصولًا، وأطرد قياسًا، وأوفق لقواعد الشرع، وأنتم معترفون بهذا شئتم أو أبيتم، فإذا ساغ لكم العدول عنه إلى القول المتناقض المخالف للقياس ولِما أفتى به الصحابة ولِما تقتضيه قواعد الشريعة وأصولها، فلَأَنْ يسوغ لنا العدول عن قولكم ببطلان خلع اليمين إلى ضدِّه تحصيلًا لمصلحة الزوجين ولَمًّا لِشَعَثِ النكاح وتعطيلًا لمفسدة التحليل وتخلُّصًا لامرأَينِ مسلمَين من لعنة الله ورسوله= أولى وأحرى، والله أعلم.
فصل
المخرج الثاني عشر: أخْذُه بقول من يقول «الحلف بالطلاق من الأيمان الشرعية التي تدخلها الكفارة»، وهذا أحد الأقوال في المسألة، حكاه أبو محمد ابن حزم في كتاب «مراتب الإجماع» له، فقال١: واختلفوا فيمن حلف بشيء غير أسماء الله أو بنَحْر ولده أو هديه أو نَحْر أجنبي أو