من المتكلمين وبعض الفقهاء المتأخرين: لا يكون إجماعًا ولا حجًة.
وإن لم يشتهر قوله أو لم يُعلَم هل اشتهر أم لا، فاختلف الناس: هل يكون حجة أم لا؟ فالذي عليه جمهور الأمة أنه حجة. هذا قول جمهور الحنفية، صرَّح به محمد بن الحسن، وذكر عن أبي حنيفة نصًّا١، وهو مذهب مالك وأصحابه، وتصرُّفُه في «موطئه» دليل عليه، وهو قول إسحاق بن راهويه وأبي عبيد، وهو منصوص الإمام أحمد في غير موضع عنه٢ واختيارُ جمهور أصحابه، وهو منصوص الشافعي في القديم والجديد، أما القديم فأصحابه مُقِرُّون به، وأما الجديد فكثير منهم يحكي عنه فيه أنه ليس بحجة٣.
وفي هذه الحكاية عنه نظر ظاهر جدًّا؛ فإنه لا يُحفظ له في الجديد حرف واحد أن قول الصحابي ليس بحجة، وغاية ما تعلَّق به مَن نقل ذلك أنه يحكي أقوالًا للصحابة في الجديد ثم يخالفها، ولو كانت عنده حجة لم يخالفها. وهذا تعلُّقٌ ضعيف جدًّا، فإن مخالفة المجتهد الدليلَ المعيَّن لما هو أقوى في نظره منه لا يدلُّ على أنه لا يراه دليلًا من حيث الجملة، بل خالف دليلًا لدليلٍ أرجحَ عنده منه.
وقد تعلَّق بعضهم بأنه يراه في الجديد إذا ذكر أقوال الصحابة موافقًا لها لا يعتمد عليها وحدها كما يفعل بالنصوص٤، بل يعضدها بضروب من
(١) انظر: «أخبار أبي حنيفة» للصَّيْمَري (ص ٢٤).
(٢) انظر: «العدة» لأبي يعلى (٤/ ١١٧٨ وما بعدها).
(٣) انظر: «التبصرة» لأبي إسحاق الشيرازي (ص ٣٩٥).
(٤) ك: «بالمنصوص».
الأقيسة؛ فهو تارةً يذكرها ويصرِّح بخلافها، وتارةً يوافقها ولا يعتمد عليها [١٧٤/أ] بل يعضدها بدليل آخر. وهذا أيضًا تعلُّقٌ أضعفُ من الذي قبله؛ فإنَّ تظافُرَ الأدلة وتعاضدها وتناصرها من عادة أهل العلم قديمًا وحديثًا، ولا يدل ذِكْرهم دليلًا ثانيًا وثالثًا على أن ما ذكروه قبله ليس بدليل.
وقد صرَّح الشافعي في الجديد من رواية الربيع عنه بأن قول الصحابي حجة يجب المصير إليه، فقال١: المحدثات من الأمور ضربان، أحدهما: ما أُحدِث يخالف كتابًا أو سنة أو إجماعًا أو أثرًا، فهذه البدعة الضلالة. والربيع إنما أخذ عنه بمصر، وقد جعل مخالفة الأثر الذي ليس بكتاب ولا سنة ولا إجماع ضلالةً، وهذا فوق كونه حجة.
وقال البيهقي في كتاب «مدخل السنن»٢ له: باب ذكر أقاويل الصحابة إذا تفرقوا. قال الشافعي: أقاويل الصحابة إذا تفرَّقوا فيها نصير إلى ما وافق الكتاب أو السنة أو الإجماع أو٣ كان أصح في القياس، وإذا قال الواحد منهم القول لا يُحفظ عن غيره منهم فيه له موافقة ولا خلاف صرتُ إلى اتباع قوله إذا لم أجد كتابًا ولا سنةً ولا إجماعًا ولا شيئًا في معناه يُحكم له بحكمه أو وُجِد معه قياس.
قال البيهقي٤: وقال في كتاب «اختلافه مع مالك»٥: ما كان الكتاب
(١) رواه البيهقي في «المدخل» (١/ ٢٢٦).
(٢) (١/ ٤٣). وقول الشافعي هذا بصورة حوار في «الرسالة» (ص ٥٩٦ وما بعدها).
(٣) ز: «إذا». والمثبت موافق لما في «الرسالة» و«المدخل».