في كلام الأئمة في أدوات الفتيا، وشروطها، ومن ينبغي له أن يفتي، وأين يسع قول المفتي١: "لا أدري"؟
قال الإمام أحمد في رواية ابنه صالح٢ عنه: ينبغي للرجل إذا حمَل نفسَه على الفتيا أن يكون عالمًا بوجوه القرآن، عالمًا بالأسانيد الصحيحة، عالمًا بالسُّنن. وإنما جاء خلافُ من خالف لقلَّةِ معرفتهم بما جاء عن النبي ﷺ، وقلَّةِ معرفتهم بصحيحها من سقيمها.
وقال في رواية ابنه عبد الله٣: إذا كان عند الرجل الكتب المصنفة فيها قولُ رسول الله ﷺ واختلافُ الصحابة والتابعين، فلا يجوز أن يعمل بما شاء ويتخيَّر، فيقضي٤ به ويعمل به، حتَّى يسأل أهل العلم ما يؤخذ به، فيكون يعمل على أمر صحيح.
وقال في رواية أبي الحارث٥: لا يجوز الإفتاء٦ إلا لرجل عالم
(١) في حاشية ح صححت العبارة بخط غير الناسخ هكذا: "وأن يسعَ المفتيَ قولُ ... ".
(٢) لا توجد في مسائله المطبوعة. وقد أخرجها الخطيب في "الفقيه والمتفقه" (٢/ ٣٣٢) من طريق أبي بكر الخلال عن محمد بن علي عن صالح. ونقلها مختصرةً القاضي في "العدَّة" (٥/ ١٥٩٥). ومنها في "المسودة" (ص ٥١٥). وسيوردها المصنف مرتين أخريين.
(٣) انظر: "مسائله" (ص ٤٣٨)، ونقلها القاضي في "العدّة" (٥/ ١٦١) من كتاب "أخبار أحمد" لأبي حفص. ومن "العدة" في "المسودة" (ص ٥١٧).
(٤) في المصادر المذكورة: "فيفتي به".
(٥) نقلها في "العُدَّة" (٤/ ١١٣٦) و(٥/ ١٥٩٥). وعنها في "المسودة" (ص ٣٣١، ٥١٥).
(٦) في المصدرين المذكورين: "الاختيار".
بالكتاب والسنَّة.
وقال في رواية حنبل١: ينبغي لمن أفتى أن يكون عالمًا بقول من تقدَّم، وإلا فلا يفتي.
وقال محمد بن عبيد الله بن المنادي: سمعتُ رجلًا يسأل أحمد: إذا حفظ الرجلُ مائة ألف حديث يكون فقيهًا؟ قال: لا. قال: فمائتي ألف؟ قال: لا. قال: فثلاثمائة ألف؟ قال: لا. قال: فأربعمائة ألف؟ قال بيده هكذا، [٢٤/أ] وحرَّك يدَه٢. قال أبو الحسين٣: وسألتُ جدِّي محمد بن عبيدالله، قلتُ: فكم كان يحفظ أحمد بن حنبل؟ قال: أجاب٤ عن ستمائة ألف.
قال أبو حفص٥: قال لي أبو إسحاق٦: لما جلستُ في جامع
(١) "العدَّة" (٥/ ١٥٩٥)، "المسودة" (ص ٥١٥).
(٢) رواه أبو حفص العكبري في "تعاليقه" كما في "العدة" للقاضي أبي يعلى (٥/ ١٥٩٦ - ١٥٩٧)، وفي سنده رجلٌ مبهمٌ. وروى الخطيب في "الفقيه والمتفقه" (٢/ ٣٤٥)، وابن أبي يعلى في "طبقات الحنابلة" (١/ ١٣١) نحوَه من طريق الحسن بن إسماعيل ابن الربعي، لكنه زاد (خمس مئة حديث)، وفي سنده أبو بكر المفيد، وهو واهٍ. ووازِن بما في "الجامع" للخطيب (١/ ٧٧).
(٣) في المطبوع: "أبو الحسن"، وخطَّأ محققه جميع أصوله التي فيها "أبو الحسين". وما خطَّأه هو الصواب. وهو أحمد بن جعفر بن محمد بن عبيد الله بن المنادي المتوفى سنة ٣٣٦. ترجمته في "طبقات الحنابلة" (٣/ ٥ - ١١).
(٤) هكذا في جميع النسخ و"العدَّة" (٥/ ١٥٩٧). وفي النسخ المطبوعة: "أخذ".