إعلام الموقعين

هذا كله كلامه في الجديد. قال البيهقي١ بعد أن ذكر هذا: وفي «الرسالة القديمة» للشافعي ــ بعد ذكر الصحابة وتعظيمهم ــ قال: وهم فوقنا في كل علم واجتهاد وورعٍ وعقل، وأمرٍ استُدرك به علم، وآراؤهم لنا أحمدُ وأولى بنا من رأينا٢. ومن [١٧٤/ب] أدركْنا ممن نَرضى أو حُكِي لنا عنه ببلدنا صاروا فيما لم يعلموا فيه سنةً إلى قولهم إن اجتمعوا أو قولِ بعضهم إن تفرَّقوا، وكذا نقول، ولم نخرج من أقوالهم كلهم.

قال٣: وإذا قال الرجلان منهم في شيء قولين نظرتُ، فإن كان قول أحدهما أشبهَ بالكتاب والسنة أخذتُ به، لأن معه شيئًا قويًّا؛ فإن لم يكن على واحد من القولين دلالةٌ بما وصفتُ كان قول الأئمة أبي بكر أو عمر أو عثمان أرجح عندنا من أحدٍ لو خالفهم غير إمام.

قال البيهقي٤: وقال في موضع آخر: فإن لم يكن على القول دلالة من كتاب ولا سنة كان قول أبي بكر أو عمر أو عثمان أحبَّ إليَّ من قول غيرهم، فإن اختلفوا صرنا إلى القول الذي عليه دلالة، وقلَّما يخلو اختلافهم من ذلك، وإن اختلفوا بلا دلالة نظرنا إلى الأكثر، فإن تكافَؤوا نظرنا أحسن أقاويلهم مخرجًا عندنا، وإن وجدنا للمفتين في زماننا أو قبله اجتماعًا في شيء تبعناه، فإذا نزلت نازلةٌ لم نجد فيها واحدة من هذه الأمور فليس إلا اجتهاد الرأي.

  1. (١) في «المدخل» (١/ ٤٤، ٤٥). وانظر: «مناقب الشافعي» (١/ ٤٤٢، ٤٤٣).
  2. (٢) في «المدخل» و«المناقب»: «آرائنا».
  3. (٣) الكلام متصل بما قبله في «المدخل».
  4. (٤) في «المدخل» (١/ ٤٥). وبعضه في «مناقب الشافعي» (١/ ٤٤٣).
582

فهذا كلام الشافعي بنصّه، ونحن نشهد بالله أنه لم يرجع عنه، بل كلامه في الجديد مطابق لهذا موافق له كما تقدم ذكر لفظه. وقد قال في الجديد في قتل الراهب١: إنه القياس عنده، ولكن تركَه٢ لقول أبي بكر الصديق ﵁. فقد أخبرنا أنه ترك القياس الذي هو دليل عنده لقول الصاحب، فكيف يترك موجب الدليل لغير دليل؟

وقال٣: وفي الضلع بعير، قلته تقليدًا لعمر.

وقال في موضع آخر٤: قلته تقليدًا لعثمان.

وقال في الفرائض٥: هذا مذهب تلقَّيناه عن زيد.

ولا تستوحِشْ من لفظة «التقليد» في كلامه، وتظنَّ أنها تنفي كون قوله حجةً بناءً على ما تلقَّيتَه من اصطلاح المتأخرين أن التقليد قبول قول الغير بغير حجة، فهذا اصطلاح حادث، وقد صرَّح الشافعي في موضع من كلامه بتقليد خبر الواحد فقال٦: قلت هذا تقليدًا للخبر.

وأئمة الإسلام كلهم على قبول قول الصحابي. قال نعيم بن حماد٧:

  1. (١) في كتاب «الأم» (٥/ ٥٨١).
  2. (٢) كذا في النسخ. وفي المطبوع: «أتركه».
  3. (٣) «الأم» (٨/ ٦٥١). وفيه: «وأنا أقول بقول عمر».
  4. (٤) المصدر نفسه (٨/ ٢٢٥). وفيه: «ذهبنا إلى هذا تقليدًا».
  5. (٥) المصدر نفسه (٥/ ١٧٤). وفيه: «هذا قول زيد بن ثابت، وعنه قبلنا أكثر الفرائض».
  6. (٦) لم أجده في كتاب «الأم».
  7. (٧) رواه من طريقه البيهقي في «المدخل» (١/ ٤٦)، وروى نحوه أبو حمزة السكري عن الإمام أبي حنيفة كما في «الانتقاء» لابن عبد البر (ص ١٤٤ - ١٤٥).
583

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي