إعلام الموقعين

حدثنا ابن المبارك قال: سمعت أبا حنيفة يقول: إذا جاء عن النبي ﷺ فعلى الرأس والعين، وإذا جاء عن الصحابة نختار من قولهم، وإذا جاء عن التابعين زاحمناهم.

وذهب بعض المتأخرين من الحنفية والشافعية والمالكية والحنابلة وأكثر المتكلمين إلى أنه ليس بحجة، وذهب بعض الفقهاء إلى أنه إن خالف القياس فهو حجة، وإلا فلا. قالوا: لأنه إذا خالف القياس لم يكن إلا عن توقيفٍ، وعلى هذا فهو حجة وإن خالفه صحابي آخر.

والذين قالوا «ليس بحجة» قالوا: لأن الصحابي مجتهد من المجتهدين يجوز عليه الخطأ، فلا يجب تقليده، ولا يكون قوله حجةً كسائر المجتهدين. ولأن الأدلة الدالة على بطلان التقليد تعمُّ تقليدَ الصحابة١ ومن دونهم. ولأن التابعي إذا أدرك عصر الصحابة اعتُدَّ بخلافه [١٧٥/أ] عند أكثر الناس، فكيف يكون قول الواحد حجة عليه؟ ولأن الأدلة قد انحصرتْ في الكتاب والسنة والإجماع والقياس والاستصحاب، وقولُ الصحابي ليس واحدًا منها. ولأن امتيازه بكونه أفضلَ وأعلمَ وأتقَى لا يوجب وجوبَ اتباعه على مجتهد آخر من علماء التابعين بالنسبة إلى من بعدهم.

فنقول: الكلام في مقامين، أحدهما: في الأدلة الدالة على وجوب اتباع الصحابة، الثاني: في الجواب عن شبه النُّفاة.

  1. (١) في النسخ: «الصحابي». والمثبت يقتضيه السياق. وهو كذلك في «تنبيه الرجل العاقل» (ص ٥٣١).
584

فأما الأول فمن وجوه١:

أحدها٢: ما احتجَّ به مالك، وهو قوله تعالى: ﴿وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ [التوبة: ١٠٠]. فوجه الدليل٣ أن الله تعالى أثنى على من اتبعهم، فإذا قالوا قولًا فاتبعهم متبعٌ عليه قبل أن يعرف صحته فهو متبع لهم، فيجب أن يكون محمودًا على ذلك وأن يستحقَّ الرضوان، ولو كان اتباعهم تقليدًا محضًا كتقليد بعض المفتين لم يستحقَّ من اتبعهم الرضوانَ إلا أن يكون عاميًّا، فأما العلماء المجتهدون فلا يجوز لهم اتباعهم حينئذٍ.

فإن قيل: اتباعهم هو أن يقول ما قالوا بالدليل، وهو سلوك سبيل الاجتهاد؛ لأنهم إنما قالوا بالاجتهاد، والدليل عليه قوله: ﴿بِإِحْسَانٍ﴾، ومن قلَّدهم لم يتبعهم بإحسان، لأنه لو كان مطلق الاتباع محمودًا لم يفرق بين الاتباع بإحسان أو بغير إحسان. وأيضًا فيجوز أن يُراد به اتباعهم في أصل الدين، وقوله: ﴿بِإِحْسَانٍ﴾ أي بالتزام الفرائض واجتناب المحارم، ويكون المقصود أن السابقين قد وجب لهم الرضوان، وإن أساؤوا؛ لقوله: «وما يُدرِيك أن الله قد اطَّلعَ على أهل بدرٍ فقال: اعملوا ما شئتم فقد غَفرتُ

  1. (١) اعتمد المؤلف في بيانها على كلام شيخه في «تنبيه الرجل العاقل» (ص ٥٣٢ وما بعدها).
  2. (٢) سيأتي الوجه الثاني بعد ٩ صفحات، وبعدها الوجوه الأخرى.
  3. (٣) ك والمطبوع: «الدلالة». والمثبت من ز موافق لما في «تنبيه الرجل العاقل».
585

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي