أحدها٢: ما احتجَّ به مالك، وهو قوله تعالى: ﴿وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾[التوبة: ١٠٠]. فوجه الدليل٣ أن الله تعالى أثنى على من اتبعهم، فإذا قالوا قولًا فاتبعهم متبعٌ عليه قبل أن يعرف صحته فهو متبع لهم، فيجب أن يكون محمودًا على ذلك وأن يستحقَّ الرضوان، ولو كان اتباعهم تقليدًا محضًا كتقليد بعض المفتين لم يستحقَّ من اتبعهم الرضوانَ إلا أن يكون عاميًّا، فأما العلماء المجتهدون فلا يجوز لهم اتباعهم حينئذٍ.
فإن قيل: اتباعهم هو أن يقول ما قالوا بالدليل، وهو سلوك سبيل الاجتهاد؛ لأنهم إنما قالوا بالاجتهاد، والدليل عليه قوله: ﴿بِإِحْسَانٍ﴾، ومن قلَّدهم لم يتبعهم بإحسان، لأنه لو كان مطلق الاتباع محمودًا لم يفرق بين الاتباع بإحسان أو بغير إحسان. وأيضًا فيجوز أن يُراد به اتباعهم في أصل الدين، وقوله: ﴿بِإِحْسَانٍ﴾ أي بالتزام الفرائض واجتناب المحارم، ويكون المقصود أن السابقين قد وجب لهم الرضوان، وإن أساؤوا؛ لقوله: «وما يُدرِيك أن الله قد اطَّلعَ على أهل بدرٍ فقال: اعملوا ما شئتم فقد غَفرتُ
(١) اعتمد المؤلف في بيانها على كلام شيخه في «تنبيه الرجل العاقل» (ص ٥٣٢ وما بعدها).
(٢) سيأتي الوجه الثاني بعد ٩ صفحات، وبعدها الوجوه الأخرى.
(٣) ك والمطبوع: «الدلالة». والمثبت من ز موافق لما في «تنبيه الرجل العاقل».
لكم»١. وأيضًا فالثناء على من اتبعهم كلهم، وذلك اتباعهم فيما أجمعوا عليه. وأيضًا فالثناء على من اتبعهم لا يقتضي وجوبه، وإنما يدلُّ على جواز تقليدهم، وذلك دليل على جواز تقليد العالم كما هو مذهب طائفة من العلماء، أو تقليد الأعلم كقول طائفة أخرى. أما الدليل على وجوب اتباعهم فليس في الآية ما يقتضيه.
فالجواب من وجوه:
أحدها: أن الاتباع لا يستلزم الاجتهاد لوجوه، أحدها: أن الاتباع المأمور به في القرآن كقوله: ﴿فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ﴾[آل عمران: ٣١]، ﴿وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾[الأعراف: ١٥٨]، ﴿وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ﴾[النساء: ١١٥] ونحوه= لا يتوقَّف على الاستدلال على صحة القول مع الاستغناء عن القائل.
الثاني: أنه لو كان المراد اتباعهم في الاستدلال والاجتهاد لم يكن فرقٌ بين السابقين وبين جميع الخلائق؛ لأن اتباع موجب الدليل يجب أن يتبع فيه كل أحد، فمن قال قولًا بدليل صحيح وجب موافقته فيه.
الثالث: أنه إما أن تجوز مخالفتهم في قولهم بعد الاستدلال أو لا تجوز، [١٧٥/ب] فإن لم تجُزْ فهو المطلوب، وإن جازت مخالفتهم فقد خُولفوا في خصوص الحكم واتُّبِعوا في جنس٢ الاستدلال، فليس جَعْل
(١) رواه البخاري (٣٠٠٧) ومسلم (٢٤٩٤) من حديث علي ﵁.
(٢) ك: «حسن». المطبوع: «أحسن». كلاهما تحريف. والمثبت موافق لما في «تنبيه الرجل».