إعلام الموقعين

وصفُه بأنه متبع بأولَى من وصفِه بأنه مخالف؛ ولأن الرضوان حكمٌ تعلَّق باتباعهم، فيكون الاتباع سببًا له؛ لأن الحكمَ المعلَّق بما هو مشتقٌّ يقتضي أن ما منه الاشتقاق سبب، وإذا كان اتباعهم سببًا للرضوان اقتضى الحكم في جميع موارده، [إذ]١ لا اختصاصَ للاتباع بحالٍ دون حالٍ؛ ولأن الاتباع يُؤذِن بكون الإنسان تبعًا لغيره وفرعًا عليه، وأصول الدين ليست كذلك؛ ولأن الآية تضمَّنت الثناء عليهم وجعلهم أئمة لمن بعدهم، فلو لم يتناول إلا اتباعَهم في أصول الدين والشرائع٢ لم يكونوا أئمةً في ذلك، لأن ذلك معلوم مع قطع النظر عن اتباعهم.

فصل

وأما قولهم «إن الثناء على من اتبعهم كلهم»، فنقول: الآية اقتضَتْ الثناءَ على من اتبع كلَّ واحدٍ واحدٍ٣ منهم، كما أن قوله: ﴿وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ﴾ [التوبة: ١٠٠] يقتضي حصول الرضوان لكلِّ واحد من السابقين والذين اتبعوهم في قوله: ﴿رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ﴾ [التوبة: ١٠٠] وكذلك في قوله: ﴿اتَّبَعُوهُمْ﴾، لأنه حكم عُلِّق عليهم في هذه الآية، فقد تناولهم مجتمعين ومنفردين.

وأيضًا فإن الأصل في الأحكام المعلَّقة بأسماء عامة ثبوتُها لكل فردٍ فردٍ من تلك المسمَّيات، كقوله: ﴿أَقِيمُوا الصَّلَاةَ﴾ [الأنعام: ٧٢]، وقوله: ﴿لَقَدْ

  1. (١) زيادة من «تنبيه الرجل». وفي المطبوع: «و». وليست في النسخ.
  2. (٢) في المطبوع: «دون الشرائع» خلاف النسخ و«التنبيه».
  3. (٣) «واحد» الثانية ساقطة من ك والمطبوع.
589

رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الفتح: ١٨]، وقوله: ﴿اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ﴾ [التوبة: ١١٩].

وأيضًا فإن الأحكام المعلَّقة على المجموع يُؤتَى فيها باسم يتناول المجموع دون الأفراد، كقوله: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا﴾ [البقرة: ١٤٣]، وقوله: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ﴾ [آل عمران: ١١٠]، وقوله: ﴿وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [النساء: ١١٥]، فإن لفظ «الأمة» ولفظ «سبيل المؤمنين» لا يمكن توزيعه على أفراد الأمة وأفراد المؤمنين، بخلاف لفظ «السابقين»، فإنه يتناول كل فرد من السابقين.

وأيضًا فالآية تعمُّ اتباعَهم مجتمعين ومنفردين في كل ممكن؛ فمن اتبع جماعتهم إذا اجتمعوا واتَّبع آحادهم فيما وُجِد عنهم مما لم يخالفه فيه غيره منهم فقد صدق عليه أنه اتبع السابقين. أما من خالف بعض السابقين فلا يصح أن يقال «اتبع السابقين» لوجود مخالفته لبعضهم، لا سيما إذا خالف هذا مرةً وهذا مرةً. وبهذا يظهر الجواب عن اتباعهم إذا اختلفوا؛ فإن اتباعهم هناك قولُ١ بعض تلك الأقوال باجتهاد واستدلال، إذ هم مجتمعون على تسويغ كل واحد من الأقوال لمن أدَّى اجتهاده إليه، فقد قصد اتباعهم أيضًا. أما إذا قال الرجل قولًا، ولم يخالفه غيره فلا يُعلم أن السابقين سوَّغوا خلافَ ذلك القول.

وأيضًا فالآية تقتضي اتباعَهم مطلقًا، فلو فرضنا أن الطالب عَثَرعلى نصّ

  1. (١) في المطبوع: «قبول» خلاف النسخ وأصل «تنبيه الرجل».
590

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي