إعلام الموقعين

رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الفتح: ١٨]، وقوله: ﴿اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ﴾ [التوبة: ١١٩].

وأيضًا فإن الأحكام المعلَّقة على المجموع يُؤتَى فيها باسم يتناول المجموع دون الأفراد، كقوله: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا﴾ [البقرة: ١٤٣]، وقوله: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ﴾ [آل عمران: ١١٠]، وقوله: ﴿وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [النساء: ١١٥]، فإن لفظ «الأمة» ولفظ «سبيل المؤمنين» لا يمكن توزيعه على أفراد الأمة وأفراد المؤمنين، بخلاف لفظ «السابقين»، فإنه يتناول كل فرد من السابقين.

وأيضًا فالآية تعمُّ اتباعَهم مجتمعين ومنفردين في كل ممكن؛ فمن اتبع جماعتهم إذا اجتمعوا واتَّبع آحادهم فيما وُجِد عنهم مما لم يخالفه فيه غيره منهم فقد صدق عليه أنه اتبع السابقين. أما من خالف بعض السابقين فلا يصح أن يقال «اتبع السابقين» لوجود مخالفته لبعضهم، لا سيما إذا خالف هذا مرةً وهذا مرةً. وبهذا يظهر الجواب عن اتباعهم إذا اختلفوا؛ فإن اتباعهم هناك قولُ١ بعض تلك الأقوال باجتهاد واستدلال، إذ هم مجتمعون على تسويغ كل واحد من الأقوال لمن أدَّى اجتهاده إليه، فقد قصد اتباعهم أيضًا. أما إذا قال الرجل قولًا، ولم يخالفه غيره فلا يُعلم أن السابقين سوَّغوا خلافَ ذلك القول.

وأيضًا فالآية تقتضي اتباعَهم مطلقًا، فلو فرضنا أن الطالب عَثَرعلى نصّ

  1. (١) في المطبوع: «قبول» خلاف النسخ وأصل «تنبيه الرجل».
590

يخالف قول الواحد١ منهم فقد علمنا أنه لو ظَفِر بذلك النصّ لم يَعدِلْ عنه. أما إذا رأينا رأيًا فقد يجوز أن يخالف ذلك الرأي.

[١٧٦/ب] وأيضًا فلو لم يكن اتباعهم إلا فيما أجمعوا عليه كلُّهم لم يحصل اتباعهم إلا فيما قد عُلِم أنه من دين الإسلام بالاضطرار؛ لأن السابقين الأولين خلقٌ عظيم، ولم يُعلَم أنهم اجتمعوا إلا على ذلك؛ فيكون هذا الوجه هو الذي قبله، وقد تقدم بطلانه؛ إذ الاتباع في ذلك غير مؤثِّر.

وأيضًا فجميع السابقين قد مات منهم أناسٌ في حياة رسول الله ﷺ، وحينئذٍ فلا يحتاج في ذلك الوقت إلى اتباعهم للاستغناء عنه بقول رسول الله ﷺ، ثم لو فرضنَا أحدًا يتبعهم إذ ذاك لكان من السابقين، فحاصله أن التابعين لا يُمكِنهم اتباعُ جميع السابقين.

وأيضًا فإن معرفة قول جميع السابقين كالمتعذّر، فكيف يتبعون كلَّهم في شيء لا يكاد يُعلَم؟

وأيضًا فإنهم إنما استحقُّوا منصبَ الإمامة والاقتداء بهم بكونهم هم السابقين، وهذه صفة موجودة في كل واحد منهم، فوجب أن يكون كلٌّ منهم إمامًا للمتقين كما استوجب الرضوان والجنة.

فصل

وأما قوله: «ليس فيها ما يوجب اتباعهم»، فنقول: الآية تقتضي الرضوان عمن اتبعهم بإحسان، وقد قام الدليل على أن القول في الدين بغير علم حرام؛ فلا يكون اتباعهم قولًا بغير علم، بل قولًا بعلم، وهو المقصود،

  1. (١) ك، ب: «أحد».
591

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي