إعلام الموقعين

تقدُّمَهم١ في كل باب من أبواب الخير، وإلا لكانوا خيرًا من بعض الوجوه، فلا يكونون خيرَ القرون مطلقًا. فلو جاز أن يُخطئ الرجل منهم في حكمٍ وسائرُهم لم يُفتوا بالصواب، وإنما ظَفِرَ بالصواب مَن بعدهم، وأخطأوه هم لزِم أن يكون ذلك القرن خيرًا منهم من ذلك الوجه؛ لأن القرن المشتمل على الصواب خير من القرن المشتمل على الخطأ في ذلك الفن.

ثم هذا يتعدَّد في مسائل عدة؛ لأن من يقول «قول الصحابي ليس بحجة» يجوز عنده أن يكون مَن بعدهم أصاب في كل مسألة قال فيها٢ الصحابي قولًا ولم يخالفه صحابيٌّ آخر، وفات هذا الصواب للصحابة٣، ومعلوم أن هذا يأتي في مسائل كثيرة تفوق العدَّ والإحصاء، فكيف يكونون خيرًا ممن بعدهم وقد امتاز القرن الذي بعدهم [١٧٩/ب] بالصواب فيما يفوق العدَّ والإحصاء مما٤ أخطؤوا فيه؟ ومعلوم أن فضيلة العلم ومعرفة الصواب أكملُ الفضائل وأشرفها، فيا سبحان الله! أيُّ وصمةٍ أعظمُ من أن يكون الصدّيق أو الفاروق أو عثمان أو علي أو ابن مسعود أو سلمان الفارسي أو عُبادة بن الصامت وأضرابهم قد أخبر عن حكم الله أنه كيتَ وكيتَ في مسائل كثيرة، وأخطأ في ذلك٥، ولم يشتمل قَرنهم على ناطقٍ بالصواب في تلك المسائل، حتى نَبَغَ من بعدهم فعرفوا حكم الله الذي جهله أولئك السادة، وأصابوا الحق

  1. (١) في المطبوع: «تقديمهم» خلاف النسخ و«تنبيه الرجل».
  2. (٢) «فيها» ليست في ك.
  3. (٣) كذا في النسخ. وفي المطبوع: «الصحابة».
  4. (٤) في النسخ: «ما». والمثبت من «التنبيه».
  5. (٥) في النسخ: «فيه ذلك». والمثبت من «التنبيه».
603

الذي أخطأه أولئك الأئمة؟ سبحانك هذا بهتان عظيم.

الوجه الخامس عشر: ما روى مسلم في «صحيحه»١ من حديث أبي موسى الأشعري ﵁ قال: صلَّينا المغرب مع رسول الله ﷺ وقلنا: لو جلسنا حتى نصلِّي معه العشاء، فجلسنا، فخرج علينا فقال: «ما زِلْتم هاهنا؟» فقلنا: يا رسول الله، صلَّينا معك المغربَ ثم قلنا: نجلس حتى نصلّي معك العشاء. قال: «أحسنتم وأصبتم»، ورفع رأسه إلى السماء، وكان كثيرًا ما يرفع رأسه إلى السماء، فقال: «النجومُ أَمَنةٌ للسماء، فإذا ذهبتِ النجومُ أتى السماءَ ما تُوعد، وأنا أَمَنَةٌ لأصحابي، فإذا ذهبتُ أتى أصحابي ما يُوعَدون، وأصحابي أَمَنَةٌ لأمتي، فإذا ذهبَ أصحابي أتى أمتي ما يُوعَدون». ووجه الاستدلال بالحديث أنه جعل نسبةَ أصحابه إلى من بعدهم كنسبته إلى أصحابه، وكنسبة النجوم إلى السماء، ومن المعلوم أن هذا التشبيه يُعطي من وجوب اهتداء الأمة بهم ما هو نظير اهتدائهم هم بنبيهم ﷺ، ونظير اهتداء أهل الأرض بالنجوم. وأيضًا فإنه جعل بقاءهم بين الأمة أمنةً لهم وحِرزًا من الشر وأسبابه، فلو جاز أن يُخطئوا فيما أفتوا به ويَظفر به مَن بعدهم لكان الظافرون بالحق أمنةً للصحابة وحِرزًا لهم، وهذا من المحال.

الوجه السادس عشر: ما رواه أبو عبد الله ابن بطَّة٢ من حديث الحسن

  1. (١) رقم (٢٥٣١).
  2. (٢) لم أجد النصّ في «الإبانة» (فضائل الصحابة)، فالمطبوع ناقص. وقد رواه ابن المبارك في «الزهد» (٥٧٢) والبزار (١٣/ ٢١٩) وأبو يعلى (٢٧٦٢) من طريق إسماعيل عن الحسن به، قال الحافظ في «المطالب» (١٧/ ٨٨): تفرد به إسماعيل، وليس بالحافظ. وروي عن الحسن مرسلًا كما سيأتي من كلام المصنف.
604

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي