إعلام الموقعين

الأمة قلوبًا، وأعمقَها علمًا، وأقلَّها تكلُّفًا، وأقومَها هَدْيًا، وأحسَنها حالًا، قومٌ اختارهم الله لصحبة نبيه وإقامةِ دينه، فاعرِفوا لهم فضلَهم، واتبعوا آثارهم، فإنهم كانوا على الهدي المستقيم.

ومن المحال أن يَحرِم الله أبرَّ هذه الأمة قلوبًا، وأعمقَها علمًا، وأقلَّها تكلفًا، وأقومَها هديًا، الصوابَ [١٨٠/ب] في أحكامه، ويوفِّق له مَن بعدهم.

الوجه الحادي والعشرون: ما رواه الطبراني وأبو نعيم وغيرهما عن حذيفة بن اليمان أنه قال: يا معشرَ القراء، خُذوا طريقَ من كان قبلكم، فوالله لئن استقمتم لقد سبقتم سبقًا بعيدًا، ولئن تركتموه يمينًا وشمالًا لقد ضللتم ضلالًا بعيدًا١.

ومن المحال أن يكون الصواب في غير طريق مَن سبقَ إلى كل خير على الإطلاق.

الوجه الثاني والعشرون: ما قاله جُندب بن عبد الله لفرقةٍ دخلت عليه من الخوارج، فقالوا: ندعوك إلى كتاب الله، فقال: أنتم؟ قالوا: نحن، قال: أنتم؟ قالوا: نحن، فقال: يا أخابثَ٢ خلقِ الله، في اتّباعنا تختارون الضلالة أم في غير سنتنا تلتمسون الهدى؟! اخرجوا عني٣.

  1. (١) رواه أبو نعيم في «الحلية» (١٠/ ٢٨٠)، ولم أجده من حديث حذيفة عند الطبراني في كتبه، وهو عنده في «الكبير» (٩/ ١٣٥) من حديث ابن مسعود بنحوه. وأصله في البخاري (٧٢٨٢) من حديث حذيفة بلفظ: «يا معشر القراء استقيموا فقد سبقتم سبقًا بعيدًا، فإن أخذتم يمينًا وشمالًا لقد ضللتم ضلالًا بعيدًا».
  2. (٢) في المطبوع: «أخابيث» خلاف النسخ.
  3. (٣) لم أجده إلّا في «تنبيه الرجل العاقل» (ص ٥٤٨) بدون إسناد.
608

ومن المعلوم أن من جوَّز أن تكون الصحابة أخطأوا في فتاويهم فمَن بعدهم، وخالفَهم فيها= فقد اتبع الحقَّ في غير سنتهم، وقد دعاهم إلى كتاب الله؛ فإن كتاب الله إنما يدعو إلى الحق، وكفى ذلك إزراءً على نفوسهم وعلى الصحابة.

الوجه الثالث والعشرون: ما رواه الترمذي١ من حديث العرباض بن سارية قال: وعظنا رسول الله ﷺ موعظةً بليغة ذَرَفتْ منها العيون، ووَجِلتْ منها القلوب، فقال قائل: يا رسول الله كأنها موعظةُ مودِّع، فماذا تعهَدُ إلينا؟ فقال: «عليكم بالسمع والطاعة، وإن تأمَّر عليكم عبد حبشيٌّ كأنّ رأسَه زبيبة، وعليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديِّين من بعدي، تمسَّكوا بها، وعَضُّوا عليها بالنواجذ، وإياكم ومحدَثاتِ الأمور، فإن كل محدثة [بدعة، وكل بدعة]٢ ضلالة»، وهذا حديث حسن، إسناده لا بأس به.

فقَرَنَ سنة خلفائه بسنته، وأمر باتباعها كما أمر باتباع سنته، وبالغ في الأمر بها حتى أمر بأن يعضَّ عليها بالنواجذ، وهذا يتناول ما أفْتَوا به وسَنُّوه للأمة، وإن لم يتقدَّم من نبيهم فيه شيء، وإلا كان ذلك سنتَه، ويتناول ما أفتى به جميعهم أو أكثرهم أو بعضهم لأنه علَّق ذلك بما سنَّه الخلفاء الراشدون، ومعلوم أنهم لم يسنُّوا ذلك وهم خلفاء في آنٍ واحد، فعُلِم أن ما سنَّه كل

  1. (١) رقم (٢٦٧٦). ورواه أيضًا أحمد (١٧١٤٤، ١٧١٤٥) وأبو داود (٤٦٠٧) وابن ماجه (٤٢). وإسناده صحيح، صححه البزار كما في «جامع بيان العلم» (٢/ ٩٢٤) والترمذي وابن تيمية في «مجموع الفتاوى» (٤/ ٣٩٩) والذهبي في «تاريخ الإسلام» (٣٠/ ٤٠٨) والعيني في «نخب الأفكار» (٢/ ١٤٦).
  2. (٢) ما بين المعكوفتين ليس في جميع النسخ، وزيد من مصادر التخريج والنسخ المطبوعة.
609

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي