إعلام الموقعين

ومن المعلوم أن من جوَّز أن تكون الصحابة أخطأوا في فتاويهم فمَن بعدهم، وخالفَهم فيها= فقد اتبع الحقَّ في غير سنتهم، وقد دعاهم إلى كتاب الله؛ فإن كتاب الله إنما يدعو إلى الحق، وكفى ذلك إزراءً على نفوسهم وعلى الصحابة.

الوجه الثالث والعشرون: ما رواه الترمذي١ من حديث العرباض بن سارية قال: وعظنا رسول الله ﷺ موعظةً بليغة ذَرَفتْ منها العيون، ووَجِلتْ منها القلوب، فقال قائل: يا رسول الله كأنها موعظةُ مودِّع، فماذا تعهَدُ إلينا؟ فقال: «عليكم بالسمع والطاعة، وإن تأمَّر عليكم عبد حبشيٌّ كأنّ رأسَه زبيبة، وعليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديِّين من بعدي، تمسَّكوا بها، وعَضُّوا عليها بالنواجذ، وإياكم ومحدَثاتِ الأمور، فإن كل محدثة [بدعة، وكل بدعة]٢ ضلالة»، وهذا حديث حسن، إسناده لا بأس به.

فقَرَنَ سنة خلفائه بسنته، وأمر باتباعها كما أمر باتباع سنته، وبالغ في الأمر بها حتى أمر بأن يعضَّ عليها بالنواجذ، وهذا يتناول ما أفْتَوا به وسَنُّوه للأمة، وإن لم يتقدَّم من نبيهم فيه شيء، وإلا كان ذلك سنتَه، ويتناول ما أفتى به جميعهم أو أكثرهم أو بعضهم لأنه علَّق ذلك بما سنَّه الخلفاء الراشدون، ومعلوم أنهم لم يسنُّوا ذلك وهم خلفاء في آنٍ واحد، فعُلِم أن ما سنَّه كل

  1. (١) رقم (٢٦٧٦). ورواه أيضًا أحمد (١٧١٤٤، ١٧١٤٥) وأبو داود (٤٦٠٧) وابن ماجه (٤٢). وإسناده صحيح، صححه البزار كما في «جامع بيان العلم» (٢/ ٩٢٤) والترمذي وابن تيمية في «مجموع الفتاوى» (٤/ ٣٩٩) والذهبي في «تاريخ الإسلام» (٣٠/ ٤٠٨) والعيني في «نخب الأفكار» (٢/ ١٤٦).
  2. (٢) ما بين المعكوفتين ليس في جميع النسخ، وزيد من مصادر التخريج والنسخ المطبوعة.
609

واحد منهم في وقته فهو من سنة الخلفاء الراشدين.

ورواه الإمام أحمد في «مسنده»١ من حديث عبد الرحمن بن مهدي عن معاوية بن صالح عن ضَمْرة بن حبيب عن عبد الرحمن بن عمرو السُّلَمي سمع العرباض بن سارية٢، فذكر نحوه.

الوجه الرابع والعشرون: ما رواه الترمذي٣ من حديث الثوري عن عبد الملك بن عمير عن هلال مولى رِبْعِي بن حِرَاش عن رِبْعِي عن حذيفة قال: قال رسول الله ﷺ: «اقتدُوا باللَّذَينِ من بعدي أبي بكر وعمر، واهتدوا بهَدْي عمَّار، وتمسَّكوا بعهدِ ابن أم عبد». قال الترمذي: هذا حديث حسن. ووجه الاحتجاج به ما تقدم في تقرير المتابعة.

الوجه الخامس والعشرون: ما رواه مسلم في «صحيحه»٤ من حديث عبد الله بن رَباح عن أبي قتادة أن النبي ﷺ قال: «إن يُطِع القومُ أبا بكر وعمر يَرشُدوا». [١٨١/أ] وهو في حديث الميضأة الطويل، فجعل الرشد معلّقًا

  1. (١) رقم (١٧١٤٢).
  2. (٢) «بن سارية» ليست في ك.
  3. (٣) رقم (٣٧٩٩). وكذلك رواه أحمد (٢٣٢٧٦، ٢٣٤١٩). ورواه بدون واسطة مولى رِبعي: أحمد (٢٣٢٤٥) والترمذي (٣٦٦٢) وابن ماجه (٩٧) والحاكم (٣/ ٧٥) والبيهقي (٨/ ١٥٣). وله شواهد، انظر: «البدر المنير» (٩/ ٥٧٨) و«التلخيص الحبير» (٤/ ٤٦٠). والحديث ضعفه البزار كما في «التلخيص الحبير» وابن حزم في «الإحكام» (٢/ ٢٥٠)، وحسنه العقيلي (٥/ ٣٠٨) وابن عبد البر في «الجامع» (٢/ ٣١٢) والذهبي في «التاريخ» (٣/ ٢٥٧)، وصححه ابن حبان والحاكم وابن العربي في «العواصم» (ص ٢٥٢)، والحديث حسن إن شاء الله.
  4. (٤) رقم (٦٨١).
610

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي