والثاني: أن ذلك يجوز فيما يتعلَّق بنفسه، فيجوز له أن يقلِّد غيرَه من العلماء إذا كانت الفتوى لنفسه، ولا يجوز أن يقلِّد العالمَ فيما يفتي به غيرَه. وهذا قول ابن بطة وغيره من أصحابنا. قال القاضي١: ذكر ابن بطَّة في مكاتباته إلى البرمكي٢: لا يجوز له أن يفتي بما يسمع من يفتي٣، وإنما يجوز أن يقلِّد لنفسه. فأما أن يتقلَّد لغيره ويُفتي به، فلا.
والقول الثالث: أنه يجوز ذلك عند الحاجة وعدم العالم المجتهد. وهو أصحُّ الأقوال، وعليه العمل. قال القاضي٤: ذكر أبو حفص في "تعاليقه" قال: سمعتُ أبا علي الحسن بن عبد الله النجَّاد يقول: سمعتُ أبا الحسن بن بشران٥ يقول: ما أعيب على رجلٍ يحفظ لأحمد٦ خمسَ مسائل، استند إلى بعض سواري المسجد يفتي الناسَ٧ بها.
(١) في "العدّة" (٥/ ١٥٩٨).
(٢) هو أبو إسحاق إبراهيم بن عمر البرمكي (٣٦١ - ٤٤٥). ترجمته في "طبقات الحنابلة" (٣/ ٣٥٢).
(٣) كذا في جميع النسخ وأصل "العدَّة"، وقد أثبت محققها: "ممن يفتي". وفي "شرح الكوكب المنير" (٤/ ٥٦٢): "من مفتٍ".
(٥) كذا في ح، ف. وفي س، ت بإهمال السين، وفي ع بإهمال أوله أيضًا. والصواب: بشَّار كما في المطبوع. ولا أدري كيف اتفقت النسخ على هذا الخطأ. وهو علي بن محمد بن بشّار أبو الحسن الزاهد. حدَّث عن أبي بكر المرُّوذي وصالح وعبد الله ابني الإمام أحمد. توفي سنة ٣١٣. ترجمته في "طبقات الحنابلة" (٣/ ١٠٨).
(٦) ع: "عن أحمد"، وكذا في النسخ المطبوعة. وفي "العدَّة" وغيرها كما أثبت.
(٧) "الناس" ساقط من ع، ف.
وقال الشافعي فيما رواه عنه الخطيب في كتاب "الفقيه والمتفقه" له١: لا يحِلُّ لأحدٍ أن يفتي في دين الله إلا رجلًا عارفًا بكتاب الله: بناسخه ومنسوخه، ومحكمه ومتشابهه، وتأويله وتنزيله، ومكيه ومدنيه، وما أريد به٢. ويكون بعد ذلك بصيرًا بحديث رسول الله ﷺ، وبالناسخ والمنسوخ، ويعرف من الحديث مثلَ ما عرف من القرآن. ويكون بصيرًا باللغة، بصيرًا بالشعر وما يحتاج إليه للعلم٣ والقرآن، ويستعمل هذا مع الإنصاف. ويكون بعد هذا مشرفًا على اختلاف أهل الأمصار. وتكون له قريحة بعد هذا. فإذا كان هذا٤ هكذا فله أن يتكلَّم ويفتي في الحلال والحرام. وإذا لم يكن هكذا فليس له أن يفتي.
وقال صالح بن أحمد: قلتُ لأبي: ما تقول في الرجل يُسأل عن الشيء، فيجيب بما في الحديث، وليس بعالم في الفقه؟ فقال: ينبغي للرجل إذا حمَل نفسَه على الفتيا أن يكون عالمًا بالسُّنن، عالمًا بوجوه القرآن، عالمًا بالأسانيد٥ الصحيحة٦. وذكر الكلام المتقدِّم.
(١) (٢/ ٣٣١ - ٣٣٢). وفي سنده أحمد بن مروان المالكي، اتهمه الدارقطني.
(٢) بعده في "الفقيه والمتفقه": "وفيما أنزل".
(٣) ح، ف: "العلم". وفي مصدر النقل ما أثبت من غيرهما. وفي النسخ المطبوعة: "للسنَّة"، ولعله تصرف من بعض الناشرين.
(٤) "فإذا كان هذا" ساقط من ع لانتقال النظر.
(٥) ح، ف: "بوجوه الأسانيد". ولعله سهو. فالمثبت من غيرهما موافق لمصدر النقل وهو "الفقيه والمتفقه"، وكذا ذكره المؤلف قبل قليل، وكذا سيأتي في آخر الكتاب.