ومن قال: «ليس قوله بحجة، وإذا خالفه غيره ممن بعده يجوز أن يكون الصواب في قول المخالف له» لم يرضَ للأمة ما رضِيَه له٣ ابنُ أم عبد ولا ما رضِيَه رسول الله ﷺ.
الوجه السادس والثلاثون: ما رواه أبو إسحاق عن حارثة بن مُضرِّب قال: كتب عمر إلى أهل الكوفة: «قد بعثتُ إليكم [١٨٢/أ] عمار بن ياسر أميرًا، وابن مسعود معلِّمًا ووزيرًا، وهما من النجباء من أصحاب محمد ﷺ من أهل بدر، فاقتدُوا بهما، واسمعوا قولهما، وقد آثرتُكم بعبد الله على نفسي»٤.
فهذا عمر قد أمر أهل الكوفة أن يقتدوا بعمار وابن مسعود ويسمعوا قولهما، ومن لم يجعل قولهما حجةً يقول: لا يجب الاقتداء بهما ولا سماعُ أقوالهما إلا فيما أجمعتْ عليه الأمة، ومعلومٌ أن ذلك لا اختصاصَ لهما به، بل لا فرقَ فيه بينهما وبين غيرهما من سائر الأمة.
الوجه السابع والثلاثون: ما قاله عُبادة بن الصامت وغيره: بايعنا رسول الله ﷺ على أن نقولَ بالحق حيث كنّا، ولا نخافَ في الله لومة لائم٥.
(١) زيادة من «المستدرك» ليستقيم السياق، وليست في النسخ المخطوطة والمطبوعة ..
(٢) رواه الحاكم (٣/ ٣١٩) بهذا الطريق وصححه، والمسعودي ضعيف، وأوله في «الصحيحين» انظر: البخاري (٤٥٨٢، ٥٠٥٠، ٥٠٥٥) ومسلم (٨٠٠).
(٣) كذا في النسخ. وفي المطبوع: «لهم».
(٤) رواه الحاكم (٣/ ٣٨٨) من طريق سفيان عن أبي إسحاق به، وصححه الحاكم وابن كثير في «مسند الفاروق» (٢/ ٦٧٨).
(٥) أخرجه البخاري (٧١٩٩، ٧٢٠٠) ومسلم (١٧٠٩).
ونحن نشهد بالله أنهم وَفَوا بهذه البيعة، وقالوا بالحق، وصَدَعوا به، ولم تأخذهم فيه لومةُ لائم، ولم يكتموا شيئًا منه مخافةَ سوطٍ ولا عصًا ولا أميرٍ ولا والٍ، كما هو معلوم لمن تأمَّله من هَدْيهم وسيرتهم، فقد أنكر أبو سعيد على مروان وهو أمير على المدينة١، وأنكر عبادة بن الصامت على معاوية وهو خليفة٢، وأنكر ابن عمر على الحجّاج مع سطوته وبأسه٣، وأنكر على عمرو بن سعيد وهو أمير على المدينة٤. وهذا كثير جدًّا من إنكارهم على الأمراء والولاة إذا خرجوا عن العدل، لم يخافوا سَوطهم ولا عقوبتهم، ومَن بعدهم لم تكن لهم هذه المنزلة، بل كانوا يتركون كثيرًا من الحقّ خوفًا من ولاة الظلم وأمراء الجور، فمن المحال أن يوفَّق هؤلاء للصواب ويُحرَمه أصحاب رسول الله ﷺ.
الوجه الثامن والثلاثون: ما ثبت في «الصحيح»٥ من حديث أبي سعيد الخدري أن رسول الله ﷺ رقِيَ المنبر فقال: «إنّ عبدًا خيَّره الله بين الدنيا وبين ما عنده، فاختار ما عند الله». فبكى أبو بكر وقال: بل نَفْدِيك بآبائنا
(١) كما رواه البخاري (٩٥٦) ومسلم (٨٨٩) عن أبي سعيد وهو الخدري.
(٢) كما رواه مسلم (١٥٨٧).
(٣) أخرجه ابن جرير الطبري في «تفسيره» (١٢/ ٢٢٦) والحاكم في «المستدرك» (٢/ ٣٣٩) بإسناد صحيح. وأخرج ابن سعد في «الطبقات» (٤/ ١٨٤) القصة التي فيها إنكاره على الحجاج وهو يخطب، وإسناده حسن. وانظر «سير أعلام النبلاء» (٣/ ٢٣٠).
(٤) الذي أنكر على عمرو بن سعيد هو أبو شُريح، كما أخرجه البخاري (١٠٤) ومسلم (١٣٥٤).