الوجه الثاني والأربعون: أن صورة المسألة ما إذا لم يكن في الواقعة حديثٌ عن النبي ﷺ ولا اختلافٌ بين الصحابة، وإنما قال بعضهم فيها قولًا وأفتى بفُتيا، ولم يُعلَم أن قوله وفتياه اشتهر في الباقين ولا أنهم خالفوه، وحينئذٍ فنقول: من تأمَّل المسائل الفقهية والحوادث الفروعية، وتدرَّب بمسالكها، وتصرَّف في مداركها، وسلك سُبُلَها ذُلُلًا، وارتوى من مَوْرِدها عَلَلًا ونَهَلًا= عَلِم قطعًا أن كثيرًا منها قد تشتبه فيها وجوه الرأي بحيث لا يُوثَق١ فيها بظاهر مراد، أو قياسٍ صحيح ينشرح له الصدر ويثلَج له الفؤاد، بل تتعارض فيها الظواهر والأقيسة على وجهٍ يقف المجتهد في أكثر المواضع حتى لا يبقى للظنّ رجحانٌ بيِّن، لا سيما إذا اختلف الفقهاء؛ فإن عقولهم من أكمل العقول وأوفرِها، فإذا تلدَّدوا وتوقَّفوا، ولم يتقدَّموا ولم يتأخّروا= لم يكن ذلك وفي المسألة طريقة واضحة ولا حجة لائحة؛ فإذا وُجِد فيها قولٌ لأصحاب رسول الله ﷺ والذين هم سادات الأمة وقدوة الأئمة، وأعلم الناس بكتاب ربهم وسنة نبيهم، وقد شاهدوا التنزيل وعرفوا التأويل، ونسبةُ مَن بعدهم في العلم إليهم كنسبتهم إليهم في الفضل والدين= كان٢ الظنُّ ــ والحالة هذه ــ بأن الصواب في جهتهم والحقُّ في جانبهم من أقوى الظنون، وهو أقوى من الظنّ المستفاد من كثير من الأقيسة، هذا ما لا يمتري فيه عاقل منصف، وكان الرأي الذي [١٨٣/أ] يوافق رأيَهم هو الرأي السَّداد الذي لا رأيَ سواه.
(١) ز: «لا يوفق».
(٢) جواب «فإذا وُجِد ...».
وإذا كان المطلوب في الحادثة إنما هو ظنٌّ راجح، ولو استند إلى استصحابٍ أو قياس علةٍ أو دلالةٍ أو شَبَهٍ أو عمومٍ مخصوص أو محفوظٍ مطلق أو واردٍ على سبب؛ فلا شك أن الظنَّ الذي يحصل لنا بقول الصحابي الذي لم يُخالَف أرجحُ من كثير من الظنون المستندة إلى هذه الأمور أو أكثرها، وحصولُ الظن الغالب في القلب ضروريٌّ لحصول١ الأمور الوجدانية، ولا يخفى على العالم أمثلة ذلك.
الوجه الثالث والأربعون: أن الصحابي إذا قال قولًا أو حكم بحكمٍ أو أفتى بفُتيا فله مداركُ ينفرد بها عنّا، ومداركُ نشاركه فيها، فأما ما يختصّ به فيجوز أن يكون سمعه من النبي ﷺ شِفاهًا أو من صحابي آخر عن رسول الله ﷺ، فإن ما انفردوا به من العلم عنّا أكثرُ من أن يُحاط به، فلم يروِ كلٌّ منهم كلَّ ما سمع، وأين ما سمعه الصديق والفاروق وغيرهما من كبار الصحابة إلى ما رووه؟ فلم يروِ عنه صدِّيق الأمة مائةَ حديث، وهو لم يغِبْ عن النبي ﷺ في شيء من مشاهده، بل صحبه من حين بُعِث بل قبل المبعث إلى أن توفي، وكان أعلم الأمة به ﷺ وبقوله وفعله وهَدْيه وسيرته. وكذلك جِلَّة الصحابة روايتُهم قليلة جدًّا بالنسبة إلى ما سمعوه من نبيهم وشاهدوه، ولو رووا كلَّ ما سمعوه وشاهدوه لزاد على رواية أبي هريرة أضعافًا مضاعفًا٢، فإنه إنما صحبه نحو أربع سنين، وقد روى عنه الكثير. فقول القائل «لو كان عند الصحابي في هذه الواقعة شيء عن النبي ﷺ لذكره» قولُ من لم يعرف سيرة القوم وأحوالهم، فإنهم كانوا يهابون الرواية عن رسول الله ﷺ