ومن هنا أخذ الشافعي الاحتجاجَ بهذه الآية على أن الإجماع حجة١.
وقال الشعبي: عليكَ بآثارِ مَن سلفَ وإن رفضَك الناس، وإيَّاك وآراءَ الرجال وإن زَخْرفوها لك بالقول٢.
وقال أيضًا: ما حدَّثوك به عن أصحاب محمد ﷺ فخُذْه، وما حدَّثوك به عن رأيهم٣ فانبِذْه في الحُشِّ٤.
قال الأوزاعي: اصبِرْ نفسَك على السنة، وقِفْ حيث وقفَ القوم، واسلُكْ سبيلَ سلَفِك الصالح، فإنه يَسَعُك ما وسِعَهم، وقُلْ بما قالوا، وكُفَّ عما كَفُّوا، ولو كان هذا خيرًا ما خُصِصْتم به دون أسلافكم؛ فإنهم لم يُدَّخَرْ عنهم خيرٌ خُبِئ لكم دونهم لفضلٍ عندكم، وهم أصحاب رسول الله ﷺ الذين اختارهم له وبعثَه فيهم، ووصفهم فقال: ﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ ...﴾ الآية [الفتح: ٢٩]٥.
(١) كما في «أحكام القرآن» للشافعي (١/ ٣٩، ٤٠) و«قواطع الأدلة» (٣/ ٢٠٢).
(٢) رواه الآجري في «الشريعة» (١٢٧) والهروي في ذم الكلام (١٢٠) وابن عبد البر في «الجامع» (٢٠٧٧)، عن الأوزاعي، ولم أجده عن الشعبي إلا في «تنبيه الرجل» (ص ٥٥٠).
(٣) ك، ب: «رأي».
(٤) رواه عبد الرزاق (٢٠٤٧٦) وأبو نعيم (٤/ ٣١٩) وابن عبد البر في «الجامع» (١٤٣٨).
(٥) رواه الآجري في «الشريعة» (٢٩٤) واللالكائي (٣١٥) والخطيب في «شرف أصحاب الحديث» (ص ٧) وغيرهم.
الوجه السادس والأربعون: أنه لم يزلْ أهل العلم في كل عصر ومصر يحتجون بما هذا سبيله من فتاوى الصحابة وأقوالهم، ولا ينكره منكِرٌ، وتصانيف العلماء شاهدة بذلك، ومناظراتهم ناطقةٌ به.
قال بعض علماء المالكية: أهل الأعصار مجمعون على الاحتجاج بما هذا سبيله، وذلك مشهور في رواياتهم وكتبهم ومناظراتهم واستدلالاتهم، ويمتنع ــ والحالة هذه ــ إطباقُ هؤلاء كلهم على الاحتجاج بما لم يشرع الله ورسوله الاحتجاجَ به ولا نَصَبَه دليلًا للأمة، فأيّ كتابٍ شئتَ من كتب السلف والخلف المتضمنة للحكم والدليل وجدتَ فيه الاستدلال بأقوال الصحابة، ووجدتَ ذلك طِرازَها وزينتَها، ولم تجد فيها قطُّ ليس قول أبي بكر وعمر حجةً، ولا يُحتَجُّ بأقوال أصحاب رسول الله ﷺ وفتاويهم، ولا ما يدلُّ على ذلك.
وكيف يَطِيب قلبُ عالمٍ يُقدِّم على أقوال من وافقَ ربَّه تعالى في غير حكمٍ، فقال وأفتى بحضرة الرسول، ونزل القرآن بموافقة ما قال لفظًا ومعنى= قولَ متأخرٍ بعده ليس له هذه الرتبة ولا يُدانِيها؟ وكيف يظنُّ أحد أن الظنَّ [١٨٥/أ] المستفاد من آراء المتأخرين أرجحُ من الظنِّ المستفاد من فتاوى السابقين الأولين، الذين شاهدوا الوحي والتنزيل، وعرفوا التأويل، وكان الوحي ينزل خلال بيوتهم، وينزل على رسول الله ﷺ وهو بين أظهرهم؟ قال جابر: «والقرآن ينزل على رسول الله ﷺ وهو يعرف تأويلَه، فما عَمِلَ به من شيء عَمِلنا به» في حديث حجة الوداع١. فمستندُهم في معرفة مراد الربّ تعالى من كلامه ما يشاهدونه من فعلِ رسوله وهَدْيه الذي