إعلام الموقعين

فصل

ولنختم الكتاب بفوائد تتعلق بالفتوى:

الفائدة الأولى: أسولة١ السائلين لا تخرج عن أربعة أنواع لا خامس لها:

الأول: أن يسأل عن الحكم، فيقول: ما حكم كذا وكذا.

الثاني: أن يسأل عن دليل الحكم.

الثالث: أن يسأل عن وجه دلالته.

الرابع: أن يسأل عن الجواب عن معارضه.

فإن سأل عن الحكم فللمسؤول حالتان. إحداهما: أن يكون عالمًا به. والثانية أن يكون جاهلًا به. فإن كان جاهلًا به حرُم عليه الإفتاءُ بلا علم، فإن فعَل فعليه إثمه وإثم المستفتي. فإن كان يعرف في المسألة ما قاله الناس ولم يتبيَّن له الصواب من أقوالهم، فله أن يذكر له ذلك، فيقول: فيها اختلاف بين العلماء، ويحكيه إن أمكنه للسائل.

وإن كان عالمًا بالحكم فللسائل حالتان:

إحداهما: أن يكون قد حضره وقتَ العمل وقد احتاج إلى السؤال، فيجب على المفتي المبادرة على الفور إلى جوابه، فلا يجوز له تأخير بيان الحكم له عن وقت الحاجة.

والحالة الثانية: أن يكون قد سأل عن الحادثة قبل وقوعها، فهذا لا

  1. (١) ب: «أسئلة»، وكذا في النسخ المطبوعة.
3

يجب على المفتي أن يجيبه عنها. وقد كان السلف الطيب إذا سئل أحدهم عن مسألة يقول للسائل: هل كانت أو وقعت؟ فإن قال: لا، لم يجبه، وقال: دعنا في عافية١. وهذا لأن الفتوى بالرأي لا تجوز إلا عند الضرورة، فالضرورة تبيحه كما تبيح الميتةَ عند الاضطرار. وهذا إنما هو في مسألة لا نصّ فيها ولا إجماع، فإن كان فيها [١٨٦/ب] نص أو إجماع فعليه تبليغه بحسب الإمكان. فمن سُئل عن علمٍ فكتَمه ألجمَه الله يوم القيامة بلجام من نار٢. هذا إذا أمن المفتي غائلة الفتوى؛ فإن لم يأمن غائلتها، وخاف من ترتُّب شرٍّ أكبر من الإمساك عنها، أمسك عنها ترجيحًا لدفع أعلى المفسدتين باحتمال أدناهما.

وقد أمسك النبيُّ ﷺ عن نقض الكعبة وإعادتها على قواعد إبراهيم، لأجل حِدْثانِ عهدِ قريش بالإسلام٣، وأنَّ ذلك ربما نفَّرهم عنه بعد الدخول فيه.

وكذلك إن كان عقل السائل لا يحتمل الجوابَ عما سأل عنه، وخاف المسؤول أن يكون فتنةً له، أمسك عن جوابه. قال ابن عباس ﵄ لرجل

  1. (١) انظر ما يأتي في الفائدة الثامنة والثلاثين.
  2. (٢) يشير إلى الحديث المروي عن أبي هريرة وغيره. رواه عن أبي هريرة أحمد (٧٥٧١، ومواضع أخرى)، وأبو داود (٣٦٥٨)، والترمذي (٢٦٤٩) وحسنه، وابن ماجه (٢٦٦). صححه ابن حبان (٩٥) والحاكم (١/ ١٠١). وهو عند الحاكم (١/ ١٠٢) وغيره عن ابن عمرو أيضًا، وعند ابن ماجه عن أنس (٢٦٤) وأبي سعيد (٢٦٥)، وعند الطبراني من حديث ابن عباس (١١/ ٥، ١٤٥) وابن عمرو (١٣/ ٢٠، ١٤/ ٣٢) وابن مسعود (١٠/ ١٠٢، ١٢٨). «المقاصد الحسنة» (١١٣٥).
  3. (٣) كما جاء في حديث عائشة الذي رواه البخاري (١٥٨٣) ومسلم (١٣٣٣).
4

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي